تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.18

قوله عز وجل: ﴿ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾؛ وذلك: أن جماعة من اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى الإيمان وحذرهم، فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه فلا يعذبنا، وكذلك قالت النصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، حين حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عذاب الله. وأرادوا بقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه: نحن من الله بمنزلة الأبناء والآباء، وقرابا من الله كقرب الوالد لولده، وحبه إيانا كحب الوالد لولده، وغضب الله علينا كغضب الوالد على ولده، إذا سخط على ولده في وقت يرضى عنه في وقت آخر.

قوله تعالى: ﴿ قل فلم يعذبكم بذنوبكم ﴾؛ أي لم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى الذين كانوا أمثالكم في الدين فمسخهم الله في الدنيا. قوله تعالى: ﴿ بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشآء ﴾؛ أي لستم بأبناء الله ولا أحبائه، ولكنكم خلق كسائر الخلق، يغفر لمن هداه للإسلام، ويعذب من مات على الكفر. قوله تعالى: ﴿ ويعذب من يشآء ولله ملك السموت والأرض وما بينهما ﴾؛ أي له القدرة على أهل السماوات والأرض، وما بينهما من الخلق والعجائب، ﴿ وإليه المصير ﴾؛ أي إليه مصير من آمن ومن لم يؤمن.

5.19-20

قوله عز وجل: ﴿ يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ﴾؛ أي يا أهل التوراة والإنجيل قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم يبين لكم الحلال والحرام على انقطاع من الرسل، ودروس من العلم. قال الكلبي: (كان بين ميلاد عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم خمسمائة وتسعة وتسعون سنة، وبعد ميلاد عيسى أربعة من الرسل في مائة وأربعة وثلاثين سنة، كما قال تعالى:

إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث

[يس: 14] قال: ولا أدري الرسول الرابع من هو). قال بعضهم: كان بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما ستمائة سنة.

قوله تعالى: ﴿ أن تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير ﴾؛ معناه: كيلا تقولوا يوم القيامة ما جاءنا من بشير يبشرنا بالجنة، ولا مخوف يخوفنا بالنار، ﴿ فقد جاءكم بشير ﴾؛ يبشركم بالجنة إن أطعتموه، ﴿ ونذير ﴾؛ ينذركم بالنار إن عصيتموه، ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾؛ من إرسال الرسل والثواب والعقاب.

وقوله تعالى: ﴿ وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبيآء وجعلكم ملوكا ﴾؛ فاذكروا يا أهل الكتاب إذ قال موسى لبني إسرائيل احفظوا منة الله عليكم إذ أكرم بعضكم بالنبوة، وهم السبعون الذين اختارهم موسى وانطلقوا معه إلى الجبل.

وإنما من الله عليهم بذلك، لأن كثرة الأشراف والأفاضل في القوم شرف وفضل لهم، ولا شرف أعظم من النبوة، وقوله تعالى: ﴿ وجعلكم ملوكا ﴾ أي أحرارا تملكون أمر أنفسكم بعد أن كانت تستعبدكم القبطة في مملكة فرعون، وقيل: ملوكا ذوي خدم، وأهل منازل لا يدخل عليكم فيها إلا بإذن.

قوله تعالى: ﴿ وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ﴾؛ أي أعطاكم من عالمي زمانكم، ويقال: أراد بذلك جميع العالمين، فإنه تعالى أنزل عليهم المن والسلوى، وظللهم بالغمام، ولم يؤت أحدا مثل هذه النعم قبلهم.

ولا يدخل المستقبل في اللفظ؛ لأن اللفظ خبر عن ما مضى، ولا يدخل ذلك على أنه لم يؤت أمة محمد صلى الله عليه وسلم مثل الفضيلة التي آتاهم أو أكثر، والغرض من هذه الآية أن الله تعالى أراد أن يكلفهم دخول الأرض المقدسة، وكان يشق ذلك عليهم فقدم ذكر نعمه عليهم ليكون بأمتثالهم مثال على امتثال أمر الله تعالى.

التفسير الكبير · الصفحة ٤٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٤٨٤