5.113
قوله تعالى: ﴿ قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ﴾؛ أي قال الحواريون: نريد بما سألناك أن نأكل من المائدة، وتسكن قلوبنا بما جئتنا به من المعجزات، ﴿ ونعلم أن قد صدقتنا ﴾؛ بأنك رسول الله، وقيل: صدقتنا في دعائك، وفيما دعوتنا من كفاية الله تعالى إيانا، ﴿ ونكون عليها ﴾؛ على المائدة؛ ﴿ من الشاهدين ﴾؛ إذا رجعنا إلى قومنا.
5.114
قوله تعالى: ﴿ قال عيسى ابن مريم اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ﴾؛ أي قال عيسى: يا الله، إلا أنه أقيم الميم في آخره مقام النداء في أوله، وقوله: ﴿ أنزل علينا مآئدة من السمآء ﴾ أي طعاما، ﴿ تكون لنا عيدا ﴾ أي نتخذ اليوم الذي تنزل فيه المائدة يوم سرور لأزماننا ولمن يكون خلفنا. وروي: (أن نزول المائدة كان في يوم الأحد، فاتخذت النصارى ذلك اليوم عيدا). وقرأ زيد ابن ثابت: (لأولانا وأخرانا).
وقوله تعالى: ﴿ وآية منك ﴾؛ أي تكون المائدة دلالة وحجة لمن آمن على من كفر، ﴿ وارزقنا ﴾؛ أي اجعل ذلك رزقا لنا، وقيل: ارزقنا الشكر عليه، ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾؛ وأنت أفضل المعطين والموفقين.
5.115
قوله تعالى: ﴿ قال الله إني منزلها عليكم ﴾؛ أي قال الله: يا عيسى إني منزل المائدة عليكم. قرأ أهل المدينة والشام وقتادة وعاصم: (منزلها) بالتشديد؛ لأنها نزلت مرارا، والتفعيل يدل على التكثير مرة بعد مرة كقوله تعالى
ونزلناه تنزيلا
[الإسراء: 106], وقرأ الباقون بالتخفيف كقوله: (أنزل علينا).
قوله تعالى: ﴿ فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ﴾؛ أي فمن يكفر بعد نزول المائدة، وقيل: بعد ما أكل من المائدة، فإني أعذبه بجنس من العذاب لا أعذب أحدا من عالمي زمانهم بذلك العذاب، وهو أن جعل الله من كفر منهم بعد نزول المائدة خنازير. وقيل: أراد بهذا عذاب الآخرة، كما روي عن ابن عمر أنه قال (أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون).
وروي عن ابن عباس في سبب نزول المائدة: (أن عيسى كان إذا خرج اتبعه خمسة آلاف رجل أو أكثر من أصحابه الذين يقتدون به، وأهل الزمانة والمرضى والبطارة، فسلك بهم ذات يوم القفار، ففني طعامهم وجاعوا جوعا شديدا، فأعلم الناس تلاميذه الحواريين قالوا: إن كان صاحبكم حقا فليدع ربه ينزل علينا مائدة من السماء، فكلمه في ذلك رجل من الحواريين يقال له: شمعون الصفار، فقال: قل لهم يتقوا الله ولا يسألوا لأنفسهم البلاء، فإنهم إن كفروا بعد نزولها عاقبهم الله. فأخبرهم شمعون بذلك، فقالوا: (نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا).
فقام عيسى عليه السلام فصلى ركعتين، فأوحى الله إليه: (قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين)، ثم أنزل الله مائدة من السماء فوقها منديل، والناس ينظرون إليها وعيسى يبكي، حتى استقرت المائدة بين يدي عيسى وهو يقول: اللهم اجعلها رحمة، ثم كشف المنديل وقال: بسم الله، فإذا على المائدة سمكة مشوية لا شوك فيها، والودك يسيل منها، والخل عند رأسها، والملح عند ذنبها، وعليها أربعة أرغفة، وعليها البقول إلا الكراث - قال عطية: (كان في السمكة طعم كل شيء).
فقال لهم عيسى: كلوا من رزق ربكم، فأكلوا منها، ورجعت المائدة كما كانت، فلما فرغ القوم إلى قرارهم، وبشروا هذا الحديث لسائر الناس، ضحك من لم يشهد، وقال: ويحكم! إنه قد سحر أعينكم وأخذ بقلوبكم. فمن أراد الله به الخير ثبته على الصبر، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، فلعنهم عيسى فباتوا ليلتهم، ثم أصبحوا خنازير ينظر الناس إليهم، الذكر ذكر والأنثى أنثى ويلعنوهم، فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا، ولم يتوالدوا ولا طعموا ولا شربوا).