5.25-26
قوله عز وجل: ﴿ قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾؛ قال ابن عباس: (وذلك أن موسى عليه السلام غضب من مقالة قومه، وكان رجلا حديدا فقال: ﴿ رب إني لا أملك إلا نفسي ﴾ ولا أملك إلا أخي، يعني لا يطيعني من هؤلاء إلا أخي هارون، ﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ أي اقض وافصل بيننا وبين القوم العاصين.
وكانت عجلة عجلها موسى عليه السلام، فأوحى الله إلى موسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب وإلى متى لا يصدقون بالآيات، لأهلكنهم واجعلن لك شعبا أشد وأكثر منهم. فقال: إلهي لو أنك أهلكت هذا الشعب من أجل أنهم لن يستطيعوا أن يدخلوا هذه الأرض فتقتلهم في البرية وأنت عظيم عفوك كثير نعمتك وأنت تغفر الذنوب، فاغفر لهم.
فقال الله تعالى: قد غفرت لهم بكلمتك، ولكن بعدما سميتهم فاسقين، ودعوت عليهم في عجلة لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة، فذلك قوله: ﴿ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون ﴾؛ يتحيرون؛ ﴿ في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين ﴾.
وقيل: إن قولهم لموسى: ﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ كان سؤالا منه الفرق في الحقيقة دون القضاء، وكان دعاؤه منصرفا إلى الآخرة، أي أدخلنا الجنة إذا أدخلتهم النار، ولم يعن بذلك في الدنيا؛ لأنه لو عنى ذلك لأجاب الله تعالى دعاءه وأهلكهم جميعا؛ لأن دعاء الأنبياء لا يرد من أجل أنهم يدعون بأمر الله تعالى.
ويقال: كان هذا دعاء راجعا إلى الدنيا، وقد أجاب الله تعالى دعاءه؛ لأنه عاقب قومه في التيه، ولم يكن موسى وهارون محبوسين في التيه؛ لأن الأنبياء عليهم السلام لا يعذبون. قال الحسن: (لا يجوز أن يكون موسى معهم فيها لا حيا ولا ميتا، ولا يجوز إذا عذب الله بنبي إلا أن ينجي ذلك النبي ومن آمن معه). ويقال: إن هذا الدعاء كان من موسى عليه السلام عند الغضب؛ لأنه عنى به الحقيقة، ألا ترى أنه ندم على دعائه وجزع من تحريم قرية الجبارين عليهم جزعا شديدا حتى قيل له: لا تأس على القوم الفاسقين.
قوله عز وجل: ﴿ فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ﴾ أي قال الله تعالى: فإن الأرض المقدسة محرمة عليهم؛ أي هم ممنوعون من دخولها أربعين سنة، وأصل التحريم المنع. قال الله تعالى:
وحرمنا عليه المراضع من قبل
[القصص: 12] وأراد: به المنع.
قوله تعالى: ﴿ يتيهون في الأرض ﴾ أي يتحيرون. قال ابن عباس: (يتحيرون في ستة فراسخ أربعين سنة، كانوا يسيرون في أول النهار فيمسون في مكانهم، ويسيرون في أول الليل، فتدور بهم الأرض فيصبحون في مكانهم). قال الحسن: (عمي عليهم السبيل وأخفي عليهم الأعلام التي يهتدون إلى الطريق فلم يستطيعوا الخروج منها).
وذهب بعضهم أن قوله: ﴿ أربعين سنة ﴾ منصوب ب ﴿ يتيهون ﴾ ، قالوا: كانت الأرض المقدسة حراما على أولئك القوم الذين عصوا الله عز وجل أبدا، ولم يبق منهم أحد بعد أربعين سنة، إنما بقي يوشع بن نون وكالب. وقيل: مات من النقباء العشرة الذين فشوا الخبر وهم ثمانية، ومعهم سبعمائة ألف مقاتل، فكان كل من دخل التيه ممن جاوز عشرين سنة مات في التيه غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحا ممن قالوا إنا لن ندخلها، ومات موسى وأخوه هارون حين انقضاء التيه.
وفاة هارون عليه السلام:
قال السدي: (أوحى الله تعالى إلى موسى: أني متوف هارون فأت به جبل كذا. فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل، فإذا هما بشجرة لم ير مثلها، فإذا سرير عليها فرش وريح طيبة، فلما نظر هارون إلى ذلك أعجبه، فقال: يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير، قال له: نم عليه، فلما نام عليه جاءه ملك الموت، فقال: يا موسى خدعتني.
فلما توفي ذهب إلى تلك الشجرة ورفع السرير إلى السماء. فلما رجع موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا: فإن موسى قتل هارون وحسده على حب بني إسرائيل. فقال موسى: ويلكم أفتروني أقتل أخي! فلما كثروا عليه صلى ركعتين ثم دعا، فنزل السرير حتى نظروا إليه فصدقوه).