تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال لهم عيسى عليه السلام: هلكتم بعذاب الله تعالى، فأوحى الله إليه: أني شرطت على المكذبين شرطا أن من كفر بعد نزولها عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. فقال عيسى: إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.

فمسخ الله منهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون رجلا، باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم، فأصبحوا في ديارهم خنازير يسعون في الطرقات والكناسات، ويأكلون العذرة، فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى عليه السلام، وبكى على الممسوخين أهلوهم، فلما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطيف بعيسى، وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم واحدا واحدا، فيبكون ويشيرون برؤوسهم ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام وهلكوا).

5.116

قوله عز وجل: ﴿ وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾؛ أول هذه الآية معطوف على قوله:

إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك

[المائدة: 110] ويجوز أن يكون عائدا على ما تقدم من قوله:

يوم يجمع الله الرسل

[المائدة: 109] كأنه قال: إذ يقول الله يوم القيامة، وفي آخر السورة ما يدل على هذا، وهو قوله تعالى:

قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم

[المائدة: 119] وذكر اللفظ على صيغة الماضي؛ لتحقق أمره كأنه قد وقع وشوهد، ونظيره

ونادى أصحاب الجنة

[الأعراف: 44] وقوله:

وقال الشيطان لما قضي الأمر

[إبراهيم: 22] أي سيقول.

وقال السدي وقطرب: (إن الله تعالى قال لعيسى عليه السلام هذا القول حين رفعه)، واحتجا بقوله:

إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم

[المائدة: 118]، ولا خلاف أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه، وإنما معنى الآية: وإن تغفر لهم بتوبتهم.

وقال أكثر المفسرين: إنما يقول الله تعالى هذه المقالة يوم القيامة، بدليل ما ذكرنا من قوله:

يوم يجمع الله الرسل

[المائدة: 109]،

يوم ينفع الصادقين صدقهم

[المائدة: 119]، فإن قالوا (إذ) للماضي، قلنا قد تكون بمعنى (إذا) كقوله:

ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت

[سبأ: 51] أي إذا فزعوا.

قوله تعالى: ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ يعني أأنت قلت لهم في الدنيا: ﴿ اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾؟ فإن قيل: ما وجه سؤال الله تعالى لعيسى مع علمه بأنه لم يقل؟ قيل: ذلك توبيخ لقوم عيسى وتحذير لهم عن هذه المقالة. وقيل: أراد الله بذلك أن يقر عيسى بالعبودية على نفسه، فيظهر منه تكذيبهم بذلك، فيكون حجة عليهم.

قال أبو روق وميسرة: (إذ قال الله لعيسى عليه السلام: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ ارتعدت مفاصله، وانفجرت من كل شعرة من جسده عين من الدم).

ثم يقول عيسى عليه السلام مجيبا الله عز وجل: ﴿ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ﴾؛ أي تنزيها لك يا رب، ما ينبغي لي أن أدعي شيئا لست بجدير له، ﴿ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ﴾؛ عندي وما في ضميري، وما كان مني في الدنيا، ﴿ ولا أعلم ما في نفسك ﴾؛ غيبك، ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾؛ لا يعلم الغيب أحد غيرك. وقيل: معناه: تعلم ما أريد، ولا أعلم ما تريد، ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ أي ما كان وما يكون.

وأما ذكر النفس في قوله: ﴿ ولا أعلم ما في نفسك ﴾ فعلى من أوجه الكلام: بأن الغيب من الله تعالى في حكم الضمير من الآدميين، والنفس في كلام العرب على ضروب؛ تذكر ويراد بها ذات الشيء، كما يقال: جاءني زيد نفسه؛ أي ذاته، وقتل فلان نفسه، وأهلك فلان نفسه، ويراد بذلك الذات بكمالها.

وتذكر ويراد بها الروح، كما يقال: خرجت نفس فلان؛ أي روحه. وتذكر ويراد بها ما في القلب، كما يقال: أضمر فلان ما في نفسه كذا وكذا.

فإذا احتمل اللفظ هذه الوجوه كلها وجب حمل الآية على أصح الوجوه؛ لقيام الدلالة على وجوب تنزيه صفات الله تعالى عما لا يجوز. ولو كانت النفس لا تستعمل إلا في أمر كائن في غيره لوجب في قوله تعالى:

التفسير الكبير · الصفحة ٥٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٥٤٦