تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت هاجرت إليه مع زوجها، فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة جارية يقال لها برهة، فأخبرتها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، فأعطتها أوضاحا لها سرورا بذلك، وأمرها أن توكل من يزوجها، فوكلت خالد بن سعيد بن العاص، فأنكحها على صداق أوزن بمائة مثقال، وكان الخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي، وأنفد الصداق إلى أم حبيبة على يدي برهة، فلما جاءتها بذلك أعطتها خمسين مثقالا، فقالت برهة: إن الملك أمرني أن لا آخذ منك شيئا، فردته إليها ولم تأخذه.

ثم قالت لها برهة: أنا صاحب دهن الملك وبناته، وقد صدقت بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنت به، فحاجتي إليك أن تقرئيه مني السلام، ثم أمر الملك نساءه أن يبعثن إلى أم حبيبة بما عندهن من عود وعنبر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عليها ولا ينكره.

وقالت أم حبيبة: فخرجنا في سفينتين، وبعث معنا النجاشي الملاحين، فلما خرجنا من البحر ركبا الظهر إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فخرج من خرج إليه، فأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه، فكان يسألني عن النجاشي فبلغته سلام برهة فرد عليها السلام، وأنزل الله تعالى:

عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة

[الممتحنة: 7] يعني أبا سفيان، (ومودة): تزويج أم حبيبة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا أدري أيا بفتح خيبر أسر أم بقدوم جعفر "

وبعث النجاشي بعد أن قدم جعفر المدينة ابنه أرهى بن أصحمة في ستين راكبا من الحبشة، وكتب إليه: يا رسول الله، إني أشهد أنك رسول الله صادقا ومصدقا، قد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت لله رب العالمين، وقد بعثت إليك ابني، وإن شئت أن آتيك بنفسي، فعلت. والسلام عليك يا رسول الله. فركبوا سفينة في إثر جعفر وأصحابه، فلما بلغوا وسط البحر غرقوا.

وكان جعفر يوم وصل المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصل في سبعين رجلا منهم اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام منهم بحيرا الراهب، قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان أنزل على عيسى عليه السلام، فأنزل الله تعالى فيهم، ﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ﴾ ووفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم سبعون.

وقال مقاتل والكلبي: (كانوا أربعين رجلا، اثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام). وقال عطاء: (ثمانون رجلا، أربعون من أهل نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الروم من أهل الشام).

قال قتادة: (نزلت هذه الآية في النصارى الذين هم متمسكون بشريعة عيسى عليه السلام) يعني أن النصارى كانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود، فقوله: (وإذا سمعوا) على هذا التأويل معناه: وإن منهم من إذا سمعوا، أو منهم قوم إذا سمعوا.

وفي الآية ما يشهد لهذا القول أيضا؛ لأن الله تعالى وصفهم بقرب مودتهم للمسلمين، ولم يصفهم بأنهم يوادون المسلمين، ولا يجوز أن يعتقد أحد أن في الآية مدحا للنصارى، وإخبارا أنهم خير من اليهود إلا في معنى شدة العداوة، لأن من أمعن النظر في مقالة اليهود والنصارى علم أن مقالة النصارى أظهر فسادا من مقالة اليهود، لأن اليهود يقرون بالتوحيد في الجملة، وإن كانت فيهم مشبهة تنقض القول بالتوحيد بالشبه، والنصارى لا يكونون مقرين بالتوحيد بوجه من الوجوه.

قوله عز وجل: ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ﴾؛ معناه: إن قرب مودة النصارى للمسلمين،؛ وقلة مظاهرتهم للمشركين بأن من النصارى قسيسين؛ أي علماء وعباد أصحاب الصوامع، ﴿ وأنهم لا يستكبرون ﴾؛ عن اتباع الحق إذا تبين لهم.

التفسير الكبير · الصفحة ٥٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٥٢٣