تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يدل على هذا أنه لا خلاف أن من لم يقض بينهم بما نزل الله لا يكفر بأن لم يحكم؛ لأن أكثر الناس بهذه الصفة، والحاكم بين الناس في كثير حالاته لا يحكم، فإذا صلح الخوارج أن يزيدوا في ظاهر اللفظ فيقولوا معناه: (من لم يحكم بما نزل الله وحكم بخلافه) صلح لغيرهم أن يقولوا معناه: ومن لم يحكم بصحة ما نزل الله ﴿ فأولئك هم الكافرون ﴾ ، وهذا عام في اليهود وغيرهم.

5.45

قوله عز وجل: ﴿ وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن ﴾؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في الجراحات التي كانت بين بني قريظة وبني النضير، كان لبني النضير مقتل على بني قريظة، والدية والدم ضعف ما كان لبني قريظة) فأنزل الله هذه الآية.

ومعناها: وأوحينا على بني إسرائيل في التوراة: ﴿ أن النفس بالنفس ﴾ يعني أن نفس القاتل بنفس المقتول وفاء، ﴿ والعين بالعين ﴾ بفقئهما، ﴿ والأنف بالأنف ﴾ يجدع به، ﴿ والأذن بالأذن ﴾ يقطع به ﴿ والسن بالسن ﴾ يقلع به، وخفف نافع الأذن في جميع القرآن، وثقله غيره.

قوله عز وجل: ﴿ والجروح قصاص ﴾؛ أي يجزئ فيها القصاص، والقصاص: عبارة عن المساواة، وهذا مخصوص فيما يمكن القصاص فيه، فأما ما كان من رضة أو هشمة لعظم، وهذه ركن لا يحيط العلم به، ففيه أرش أو حكومة.

قرأ الكسائي: (والعين) رفعا إلى آخره، وكذلك قوله (والجروح) رفعه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، ونصبوا سائر الحروف قبله، قالوا: لأن لها نظائر في القرآن؛ منها قوله تعالى:

أن الله بريء من المشركين ورسوله

[التوبة: 3] و

إن الأرض لله يورثها من يشآء من عباده والعاقبة للمتقين

[الأعراف: 128] و

وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة

[الجاثية: 32]. وقرأ نافع وعاصم وحمزة وخلف كلها بالنصب.

قوله تعالى: ﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾؛ أي من عفا عن مظلمة في الدنيا، فهو كفارة للجراح لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص كفارة له، وأما أجر العافي فعلى الله، قال الله تعالى:

فمن عفا وأصلح فأجره على الله

[الشورى: 40] وهذا قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم، ورواية عن ابن عباس.

وقيل: معناه: فهو كفارة للمجروح وولي القتيل، وهو قول ابن عمر والحسن والشعبي وقتادة وجابر بن زيد. ودليل هذا قوله صلى الله عليه وسلم:

" من تصدق من جسده بشيء كفر الله بقدره من ذنوبه "

فمن عفا كان عفوه كفارة لذنوبه يعفو عنه الله ما أسلف من ذنوبه، وأما الكافر إذا عفا لا يكون عفوه كفارة له مع إقامته على الكفر. وقال صلى الله عليه وسلم:

" من أصيب بشيء من جسده فتركه لله كان كفارة له "

وروي: أن رجلا طعن رجلا على عهد معاوية رضي الله عنه؛ فأعطوه ديتين على أن يرضى، فلم يرض، فحدث رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" من تصدق بدم فما دونه كان كفارة له من يوم ولد إلى يوم تصدق به "

فتصدق به. وقال صلى الله عليه وسلم:

" " ثلاث من جاء بهن يوم القيامة مع الإيمان دخل الجنة من أي أبوابها شاء، وتزوج من الحور العين حيث شاء: من عفا عن قاتله، ومن قرأ دبر كل صلاة مكتوبة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ عشر مرات، ومن أدى دينا خفيا " قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أو إحداهن يا رسول الله، قال: " أو إحداهن " ".

فأما القصاص في العين، فلا يجب إلا إذا ضربها رجل فأذهب ضوءها وهي قائمة، فإنه يسد العين الأخرى وحول إلى العين التي يجب فيها القصاص من الضارب بثوب أو قطن مبتل، ويحمى مره ويقرب إلى العين حتى يذهب ضوءها. وأما إذا قلعها فلا قصاص فيه؛ لتعذر استيفائها على المماثلة؛ لأنا لا نعلم للقلع حدا معلوما ينتهي إليه، وهذا كمن قطع لحما من فخذ رجل أو ذراعه، فإنه لا يجب القصاص.

التفسير الكبير · الصفحة ٥٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٥٠٢