5.6
قوله عز وجل: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ﴾؛ قال ابن عباس وجماعة من المفسرين: (معناه: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وإنما أضمروا إرادة القيام؛ لأن صحة قيام الصلاة بالطهارة فلا يصح جزء من القيام قبل تقدم الطهارة).
وظاهر الآية يقتضي أن القيام إلى الصلاة يكون سببا لوجوب الطهارة، ولا خلاف بين السلف والخلف أن الطهارة لا تجب سبب القيام إلى الصلاة، إلا أنه روي عن ابن عمر وعلي رضي الله عنهما: (أنهما كانا يتوضأن عند كل صلاة، ويقرآن هذه الآية). فيحتمل أنهما كانا يفعلان ذلك ندبا واستحبابا، فإن تجديد الطهارة لكل صلاة مستحب. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من توضأ فهو على وضوء ما لم يحدث "
وقال:
" لا وضوء إلا من حدث "
فثبت أن في الآية إضمار آخر تقديره: أذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون فاغسلوا وجوهكم، وهذا نظير قوله تعالى:
فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر
[البقرة: 184] معناه: فأفطر فعليه عدة من أيام أخر، وقوله:
فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام
[البقرة: 196] معناه فحلق فعليه فدية. وقال بعضهم: معنى الآية: إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة، وقال: هذا على أن النوم في حالة الاضطجاع حدث.
قوله تعالى: ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ الغسل: إجراء الماء على المحل وتسييله، سواء وجد معه الدلك أم لا، والوجه: ما يواجهك من الإنسان، وحده من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن، ومن شحمتي الأذن إلى شحمتي الأذن. وظاهر الآية يقتضي أن المضمضة والاستنشاق غير واجبتين في الوضوء، لأن اسم الوجه يتناول الظاهر دون الباطن.
قوله تعالى: ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ أي مع المرافق، هكذا قال علماؤنا رحمهم الله تعالى، إلا زفر رحمه الله؛ فإنه ذهب إلى ظاهر الآية وقال: (إن حرف (إلى) للغاية، والغاية لا تدخل في الحكم كما في قوله تعالى
ثم أتموا الصيام إلى الليل
[البقرة: 187]). وأما عامة العلماء فقالوا: إن (إلى) تذكر بمعنى (مع) كما قال تعالى
ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم
[النساء: 2]، فاذا احتمل اللفظ الغاية واحتمل معنى المقارنة حل محل المجمل، فكان موقوفا على بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روي:
" أنه كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه "
، فصار فعله بيانا للمجمل، فحمل على الوجوب.
قوله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ اختلف العلماء في مقدار وجوب المسح منه، فذهب مالك إلى أن مسح جميع الرأس واجب، وقال: (ظاهر الآية يقتضي الجميع دون البعض، لأنك إذا قلت: مررت بزيد؛ أردت جملته لا بعضه، ومثل ذلك قوله تعالى:
وليطوفوا بالبيت العتيق
[الحج: 29] والمراد كل البيت، وكقوله تعالى: ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ﴾ ). وذهب الشافعي: إلى أن الواجب مقدار ما يتناوله الاسم، ومن أصحابه من قدره بثلاث شعرات. وهذا بعيد؛ لأن فاعله لا يسمى ماسحا رأسه ولا برأسه، ولأن ذلك القدر يحصل بغسل الوجه، وفعل ذلك أيضا متعسر.
وقال أصحابنا في الاحتجاج على مالك بأن (الباء) تذكر ويراد بها التبعيض، كما تقول: أخذت برأس فلان، ومسحت برأس اليتيم، فاذا احتمل اللفظ التبعيض كان مجملا فوجب الرجوع فيه إلى فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد روي:
" أنه توضأ ومسح على ناصيته "
والناصية: هي الربع المقدم من الرأس، ومعلوم أنه كان لا يترك بعض الواجب، فثبت أن الفرض مقدور على هذا المقدار، إلا أن الأفضل أن يمسح جميع الرأس ليخرج عن الفرض بيقين. وقد روي:
" أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح ومسح جميع رأسه "
واختلف العلماء في عدد مسح الرأس. قال علماؤنا: الأفضل أن يمسح جميع رأسه بماء واحد. وروى الحسن عن أبي حنيفة: (أن مسح رأسه ثلاث مرات بماء واحد كان سنة). وقال الشافعي: (الأفضل أن يمسح ثلاثا بثلاث مياه). روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: