تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله عز وجل: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا ﴾؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة يوم عرفة؛ والناس وقوف رافعون أيديهم بالدعاء، فبركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم من ثقل هذه الآية بعد أن كاد عضدها يندق، ولم ينزل بعدها آية حلال ولا حرام، وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها واحدا وثمانين يوما، ثم قبضه الله تعالى إلى رحمته).

قال طارق بن شهاب: (جاء يهودي إلى عمر رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! آية تقرأونها لو أنزلت علينا لاتخذنا يوم نزولها عيدا، فقال: وأي آية؟ قال: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾ الآية، قال عمر: هل علمت في أي يوم نزلت وفي أي مكان نزلت؟ إنها نزلت يوم الجمعة يوم عرفة ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف، وكلاهما بحمد الله لنا عيد، ولا يزال ذلك اليوم عيدا). قال ابن عباس: (إنها نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة).

" روي عن عمر رضي الله عنه أنه بكى يوم نزلت هذه الآية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما يبكيك يا عمر؟! " قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أكمل، فإنه لا يكمل شيء إلا نقص، قال: " صدقت "

واختلفوا في معنى الآية؛ قال بعضهم: معناها: اليوم أكملت لكم شرائع دينكم من الفرائض والسنن والأحكام والحدود والحلال والحرام، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض، وثبت لكم جميع ما كنت أريد أن أبينه لكم في الأزل، فأما دين الله فلم يزل كاملا لا ينقص فيه، وهذا قول ابن عباس والسدي. وقال قتادة وسعيد: (معناه: أكملت لكم دينكم؛ فلم يحج معكم مشرك). ويحتمل أن يكون المراد بالأكمل للدين أظهره على سائر الأديان بالنصرة والغلبة، و (اليوم) نصب على الظرف، كما يقال: الآن، وفي هذا الزمان.

قوله تعالى: ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ أي أتممت عليكم منتي بإظهار الدين حتى لم يحج معكم مشرك، وقيل: نعمة الله بيان فرائضه، وقيل: هي إيجاب الجنة، وقيل: معناه: وأنجزت لكم وعدي في قولي:

ولأتم نعمتي عليكم

[البقرة: 150]، فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين وعليها ظاهرين، وحجوا مطمئنين، ولم يخالطهم أحد من المشركين.

قوله تعالى: ﴿ ورضيت لكم الإسلم دينا ﴾ أي اخترت لكم الإسلام من الأديان كلها دينا، فمن دان بالإسلام، فقد استحق ثوابي ورضاي.

والدين: اسم لجميع ما يعبد الله به خلقه، وأمرهم بالإقامة عليه، وهو الذي أمروا أن يكون ذلك عادتهم والذي به يجزون، فإن الدين في اللغة: العادة، والدين الجزاء.

قوله تعالى: ﴿ فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ﴾؛ أي من دعته الضرورة إلى أكل شيء مما حرم الله عليه في مجاعة غير مائل إلى إثم؛ أي زائد على ما يسد به رمقه ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ أباح ذلك رحمة منه وتسهيلا على خلقه. والمخمصة: مأخوذة من المخص وهو شدة ضمور البطن، والمتجانف من الجنف وهو الميل.

التفسير الكبير · الصفحة ٤٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٤٧١