قوله تعالى: ﴿ وما ذبح على النصب ﴾؛ أي وحرم عليكم ما ذبح على النصب، هي جمع النصب، والنصاب: وهي الحجارة، كانوا ينصبونها فيعبدونها من دون الله تعالى ويقربون لها الذبائح، والفرق بين النصب والأصنام: أن الصنم اسم لما كان على صورة الإنسان، والنصب ما لا نقش له ولا صورة ولكنه يعبد. والوثن ما كان منقوشا، والحائط لا شخص له. وقيل: النصب واحد وجمعه أنصاب، مثل عنق وأعناق.
وقرأ الحسن بن صالح وطلحة بن مصرف: (على النصب) بجزم الصاد، وقرأ الجحدري: بفتح النون والصاد؛ جعله اسما موحدا كالجبل والجمل، والجمع الأنصاب كالأجبال والأجمال، وكلها لغات وهي الشيء المنصب، ومنه قوله تعالى:
كأنهم إلى نصب يوفضون
[المعارج: 43].
واختلفوا في معنى النصب ها هنا؛ قال ابن جريج ومجاهد وقتادة: (كان حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا، وكان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويشرحون اللحم عليها، وكانوا يعظمونها ويعبدونها ويذبحون لها، وكانوا مع هذا يبدلونها إذا رأوا حجارة هي أعجب إليهم منها). وقالوا: (ليست أصناما إنما الصنم ما ينقش). وقال آخرون: النصب هي الأصنام المنصوبة. قال الأعشى:
وذا النصب المنصوب لا تنسكنه
ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا
قال قطرب: (معنى الآية: وما يذبح للنصب؛ أي لأجلها، واللام و (على) يتعاقبان في الكلام، قال الله تعالى:
فسلام لك
[الواقعة: 91] أي عليك، وقال تعالى:
وإن أسأتم فلها
[الاسراء: 7] أي فعليها). وقال بعضهم: معناه: وما ذبح على اسم النصب.
قوله تعالى: ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾؛ وهي القداح؛ أي حرم عليكم الاستقسام؛ وهو طلب القسم بالأزلام؛ وهي القداح التي كانوا يجلبونها عند العزم على الميسر ويقتسمون بها لحم الجزور على ما تقدم ذكره في قوله تعالى:
يسألونك عن الخمر والميسر
[البقرة: 219].
وقال الحسن: (كانوا يتخذون السهام؛ فإذا أراد الرجل أن يخرج إلى سفر أو تجارة أو سروح؛ أجال السهام بيده، وكان مكتوبا على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي، فإن خرج الذي عليه: أمرني ربي؛ قال: قد أمرت بالخروج ولا بد لي من ذلك؛ فيخرج، وإن كره الخروج خرج غير بعيد ثم رجع، ولا يدخل من باب بيته، ولكن ينقب ظهر بيته منه يدخل ومنه يخرج إلى أن يتفق له الخروج. وإن خرج الذي عليه: نهاني ربي، قال: قد نهيت عن الخروج، ولا يسعني. فنهى الله تعالى عن ذلك).
فعلى هذا لا يجوز أن يكون معنى الاستقسام طلبهم في الخروج والجلوس، والخروج في قسم الرزق والحوائج، وظاهر هذه الآية يقتضي أن العمل على قول المنجمين: لا تخرج من أجل نجم كذا؛ واخرج من أجل نجم كذا؛ فسق لأن ذلك دخول في علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله.
ومعنى الفسق: الخروج من الطاعة؛ وقوله تعالى: ﴿ ذلكم فسق ﴾؛ إشارة إلى ما تقدم ذكره من المعاصي والحرام. قوله تعالى: ﴿ وأن تستقسموا ﴾ في موضع رفع؛ أي وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام، والأزلام: هي القداح التي لا ريش لها ولا نصل، واحدها زلم، مثل عمر وزفر، وقيل: زلم مثل قلم. وقال ابن جبير: (هي حصى بيضاء كانوا يضربون بها).
قوله تعالى: ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ﴾؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ومعه المسلمون وهو يوم الفتح، يئس الكفار يومئذ من رجوع المسلمين إلى دينهم بما ظهر من علو الإسلام والمسلمين على سائر الأديان). وقال بعضهم: أراد به يوم حجة الوداع، وقال الحسن: (أراد باليوم جميع زمان النبي صلى الله عليه وسلم وعصره، كما يقال: كانت حادثة كذا في يوم فلان، يراد به عصره).
قوله تعالى: ﴿ فلا تخشوهم واخشون ﴾؛ أي ليكن خوفكم لله وحده؛ فقد أمنتم، وحول الله الخوف الذي كان يلحقكم إليهم بإظهار الإسلام. وقيل معناه: لا تخشوهم بإظهار تحريم ما كانوا يبيحونه، وأسرعوا في ترك إظهار المحرمات.