4.133
قوله تعالى: ﴿ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ﴾؛ أي كما يملك الموجود من السموات والأرض يملك أيضا الاستبدال بإفناء الخلق وإنشاء الآخرين. وقيل: هو خطاب للكفار؛ لأنه تعالى قال من قبل: ﴿ إن تكفروا ﴾ فكأنه قال: إن يشأ يذهبكم أيها الكفار ويأت بقوم آخرين أطوع منكم، ﴿ وكان الله على ذلك قديرا ﴾؛ وكان الله على إهلاككم وخلق غيركم قادرا.
4.134
قوله عز وجل: ﴿ من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴾؛ أي من كان يريد بعمله منفعة الدنيا، فليعمل لله ولا يقتصر على طلب الدنيا، فإن ثواب الدنيا واصل إلى البر والفاجر، والمؤمن والكافر، ولكن ليتكلف طلب الآخرة التي لا تنال إلا بالعمل، ﴿ وكان الله سميعا ﴾؛ لكلام عباده، ﴿ بصيرا ﴾؛ بما في قلوبهم، وفي الآية تهديد للمنافقين المرائين. وفي الحديث:
" إن في النار واديا تتعوذ منه جهنم كل يوم أربعمائة مرة أعد للقراء المرائين "
وقيل: معنى الآية: من كان يريد بعمله عوضا من الدنيا ولا يريد به وجه الله؛ أثابه الله عليه من عرض الدنيا ما أحبه؛ ودفع منه فيها ما أحب.
4.135
قوله عز وجل: ﴿ يأيها الذين آمنوا كونوا قومين بالقسط شهدآء لله ولو على أنفسكم أو الولدين والأقربين ﴾؛ أي قوموا بالعدل وقولوا الحق، والقوام بالقسط المستعمل له على حسب ما يجب من إنصافه من نفسه، وإنصاف كل مظلوم من ظالمه، ومنع كل ظالم من ظلمه، ولفظ القوام لا يكون إلا للمبالغة.
والقسط والإقساط: العدل، يقال: أقسط الرجل إقساطا إذا عدل، وأتى بالقسط وقسط يقسط قسطا إذا جار، قال الله تعالى:
وأقسطوا إن الله يحب المقسطين
[الحجرات: 9] أي اعدلوا، وقال تعالى:
وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا
[الجن: 15] أي الجائرون.
وقوله تعالى: ﴿ شهدآء لله ﴾ نصب على أحد ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه خبر ثان، كما يقال: هذا حلو حامض. والثاني: على الحال، كما يقال: هذا زيد راكبا. والثالث: على أنه صفة القوامين، فإن قوامين نكرة، وشهداء نكرة، والنكرة تنعت بالنكرة. ومعنى ﴿ شهدآء لله ﴾ أي شهدوا بالحق لله على ما كان من قريب أو بعيد.
وقيل: معنى الآية: كونوا قوامين بالعدل في الشهادة على من كانت ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين في الرحم؛ فأقيموها عليهم لله ولا تخافوا غنيا لغناه، ولا ترحموا فقيرا لفقره؛ فذلك قوله تعالى: ﴿ إن يكن غنيا أو فقيرا ﴾؛ أي فلا تتركوا الحق.
قوله تعالى: ﴿ ولو على أنفسكم ﴾ أي قولوا الحق ولو على أنفسكم، والشهادة على النفس إقرار. قوله تعالى: ﴿ أو الولدين والأقربين ﴾ أي على والديكم وعلى أقربائكم، وفي هذا بيان أن شهادة الابن على الوالدين لا تكون عقوقا، ولا يحل للابن الامتناع عن الشهادة على أبويه؛ لأن في الشهادة عليهما بالحق منعا لهما عن الظلم.
قوله تعالى: ﴿ إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ﴾؛ معناه: إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فالله أحق بالغني والفقير من عباده من أحدهم بوالديه وقراباته وأرحم وأرأف، فأقيموا الشهادة لله، لا تميلوا في الشهادة رحمة للفقير، ولا تقصدوا إقامتها لاحتمال غنى الغني؛ أي لأجل غناه، وعن هذا قال صلى الله عليه وسلم:
" أنصر أخاك ظالما أو مظلوما " قيل: يا رسول الله؛ كيف ينصره ظالما؟ قال: " أن ترده عن ظلمه فإن ذلك نصره ".
قوله تعالى: ﴿ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ﴾؛ معناه: ولا تتبعوا الهوى لتعدلوا، وهذا كما يقال: لا تتبع الهوى لرضى ربك. ويقال: معناه: لا تتبعوا أن لا تعدلوا، ويقال: كراهة أن تعدلوا، وهذا كقوله تعالى:
يبين الله لكم أن تضلوا
[النساء: 176] ويقال: معنى تعدلوا: تميلوا من الحق إلى الهوى.
قوله تعالى: ﴿ وإن تلووا أو تعرضوا ﴾؛ من قرأ (تلووا) بواوين فمعناه: أن تماطلوا في إقامة الشهادة وتقلبوا اللسان لتفسدوا الشهادة، أو تعرضوا عن إقامة الشهادة مأخوذ من لوى فلان في دينه؛ أي دافع، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: