4.89
قوله عز وجل: ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء ﴾؛ أي تمنى المنافقون والكفار أن تكفروا أنتم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن كما كفروا، فتكونوا أنتم وهم سواء في الكفر، ﴿ فلا تتخذوا منهم أوليآء ﴾؛ أي أحباء، ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾؛ في طاعة الله، ﴿ فإن تولوا ﴾؛ فإن أعرضوا عن الإيمان والهجرة فأسروهم، ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾؛ في الحل والحرم، ﴿ ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ﴾؛ أي حبيبا في العون والنصرة.
وهذه الآية محمولة على حال ما كانت الهجرة فرضا كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين "
ثم نسخ ذلك يوم فتح مكة كما روى ابن عباس قال: قال رسول الله عليه السلام يوم الفتح:
" لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإن استنفرتم فانفروا ".
وقوله تعالى: ﴿ فتكونون سوآء ﴾ لم يدخل جواب التمني؛ لأنه جوابه بالفاء منصوب، وإنما أراد العطف على معنى: ودوا لو تكفرون وودوا لو تكونوا سواء، مثل قوله:
ودوا لو تدهن فيدهنون
[القلم: 9] أي ودوا لو تدهن وودوا لو تدهنون، ومثله
ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون
[النساء: 102] أي وودوا لو تميلون.
4.90
قوله تعالى: ﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾؛ هذا استثناء لمن اتصل من الكفار بقوم بينهم وبين المسلمين ميثاق، قال ابن عباس: (أراد بالقوم الأسلميين، وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي وأصحابه على أن لا يعينوه ولا يعينوا عليه، فمن وصل إليهم ولحق بهم بالأنساب أو بالولاء) يعني: لجأ أحد من الكفار في عهد الأسلميين على حسب ما كان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش من الموادعة؛ فدخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو كنانة في عهد قريش.
قوله تعالى: ﴿ أو جآءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم ﴾؛ معناه: ويصلون إلى قوم جاؤكم ضاقت صدورهم أن يقاتلوكم مع قومهم، ﴿ أو يقاتلوا قومهم ﴾؛ معكم وهم بنو مدلج، ﴿ ولو شآء الله لسلطهم عليكم ﴾؛ لسلط قوم هلال بن عويمر، وبني مدلج عليكم، ﴿ فلقاتلوكم ﴾؛ كما قتلتموهم ظالمين لهم، ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم ﴾؛ أي فإن تركوكم فلم يقاتلوكم مع قومهم، واستسلموا أو خضعوا بالصلح والوفاء، ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ﴾؛ أي حجة في القتال وقال أهل النحو: معنى ﴿ أو جآءوكم حصرت صدورهم ﴾ أي حصرت. و ﴿ حصرت ﴾ لا يكون حالا إلا بعد؛ قالوا: ويجوز أن يكون ﴿ حصرت صدورهم ﴾ خبرا بعد خبر؛ كأنه قال: أو جاؤكم، ثم أخبر بعد فقال: ﴿ حصرت صدورهم أن يقاتلوكم ﴾. وفي الشواذ: (أو جاؤكم حصرة صدورهم).
وأما اللام في ﴿ لسلطهم ﴾ فجواب ﴿ لو شاء الله ﴾ ، واللام في ﴿ فلقاتلوكم ﴾ للبدلية، والفاء فاء عطف بمنزلة الواو.
وقد روي عن عطاء عن ابن عباس: (أن هذه الآية منسوخة بقوله
واقتلوهم حيث وجدتموهم
[النساء: 89] بآية السيف، هي معاهدة المشركين وموادعتهم منسوخة بقوله:
فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
[التوبة: 5]). ولأن الله تعالى أعز الإسلام وأهله؛ فلا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف بهذه الآية، وقد أمرنا الله تعالى في أهل الكتاب بقتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية بقوله تعالى:
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر
[التوبة: 29] إلى قوله تعالى:
وهم صاغرون
[التوبة: 29] فلا يجوز مداهنة الكفار وترك أحدهم على الكفر من غير جزية إذا كان بالمسلمين قوة على القتال، وأما إذا عجزوا عن مقاومتهم وخافوا على أنفسهم وذراريهم جاز لهم مهادنة العدو من غير جزية يؤدونها إليهم؛ لأن حظر الموادعة كان لسبب القوة؛ فإذا زال السبب زال الحظر.