4.49
قوله عز وجل: ﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشآء ﴾؛ قال ابن عباس:
" نزلت هذه الآية في بحرى بن عمرو ومرحب بن زيد؛ أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهما طائفة من اليهود بأطفالهم؛ فقالوا: يا محمد؛ هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال: " لا " فقالوا: والذي نحلف به؛ ما نحن إلا كهيئتهم ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار. فهؤلاء الذين يزكون أنفسهم، برؤها من الذنوب، وزعموا أنهم أزكياء "
يقول الله تعالى: ﴿ بل الله يزكي من يشآء ﴾ أي يطهر من الذنوب من يشاء من كان أهلا لذلك.
قوله تعالى: ﴿ ولا يظلمون فتيلا ﴾؛ أي لا ينقصون من جزاء ما يستحقونه قدر الفتيل وهو ما تفتله بين إصبعيك من الوسخ إذا مسحت إحداهما بالأخرى، وقيل: الفتيل: ما في بطن النواة في شقها من لحائها.
4.50
قوله عز وجل: ﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾؛ أي انظر يا محمد كيف يختلق اليهود الكذب على الله، ﴿ وكفى به ﴾؛ بما يفعلونه، ﴿ إثما مبينا ﴾ ، ذنبا بينا.
4.51
قوله عز وجل: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يؤمنون بالجبت والطغوت ﴾؛ قرأ السلمي: (ألم تر) ساكنة الراء في كل القرآن كما قال الشاعر:
من يهده الله يهتد لا مضل له
ومن أضل فما يهديه من هادي
قال ابن عباس: (ركب كعب بن الأشرف في تسعين راكبا من اليهود؛ فيهم حيي بن أخطب وجدي بن أخطب ومالك بن الصيف وغيرهم إلى أهل مكة ليحالفوهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه قبل أجله، فقال أبو سفيان: يا معشر أهل الكتاب؛ أنشدكم بالله أيهم أقرب للهدى؛ نحن أم محمد وأصحابه، فإنا نعمر مسجد الله، ونسقي الحجيج، ونحجب الكعبة، ونصل الرحم، ومحمد قطع أرحامنا واتبعه شرار الحجيج بنو غفار، فنحن أهدى أم هم؟ فقالت اليهود: أنتم أهدى منهم. فأنزل هذه الآية).
ومعناه: ألم ينته علمك يا محمد إلى ﴿ الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ﴾ أي علما بالتوراة وما فيها من نعت محمد وصفته يصدقون بالجبت والطاغوت. قال ابن عباس: (الجبت: حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف). وقيل الجبت: الكهنة، والطاغوت: الشياطين. وقيل: الجبت والطاغوت: صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله. وقيل الجبت: الصنم، والطاغوت: مترجمة الصنم على لسانه.
وقال أهل اللغة: كل معبود سوى الله تعالى من حجر أو مدر أو صورة فهو جبت وطاغوت، دليله قال تعالى:
أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت
[النحل: 36]؛ وقوله تعالى:
والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها
[الزمر: 17]. وقال مجاهد: (الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان). يدل عليه قوله:
والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت
[البقرة: 257]
والذين كفروا يقتلون في سبيل الطغوت فقتلوا أولياء الشيطن
[النساء: 76].
وقال بعض المفسرين: لما خرج كعب بن الأشرف هو ومن معه إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ نزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزل اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكر منكم، فإن أردت يا كعب أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما؛ ففعل هو وأصحابه، فذلك قوله تعالى: ﴿ يؤمنون بالجبت والطغوت ﴾.
قال كعب لأهل مكة: يجيء منكم ثلاثون؛ ومنا ثلاثون؛ فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد، ففعلوا ذلك، ثم قال أبو سفيان: يا كعب؛ إنك امرؤ تقرأ الكتاب ونحن أميون لا نعلم، فمن أهدى سبيلا، وأقرب إلى الحق نحن أم محمد، فقال كعب: والله أنتم أهدى سبيلا من الذي عليه محمد. فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ﴾. يعني كعبا وأصحابه يؤمنون بالجبت والطاغوت يعني الصنمين، ﴿ ويقولون للذين كفروا ﴾؛ أي لأبي سفيان وأصحابه: ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ﴾.