تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلو كان ذلك كفرا لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك كان ردة تحرم بها زوجته عليه، ولم يجز على رسول الله صلى الله عليه وسلم الإغفال عنه؛ لأنه الناصح الشفيق المنعوت بالتأديب والتعليم.

ودليل آخر أن القاتل لا يصير كافرا: هو أن الكفر والجحود والإباء والشرك إضافة، والقاتل لم يجحد ولم يأب قبول الفرائض، ولا أضاف إلى الله تعالى شريكا، ولو جاز أن يكون كافرا ولم يأت بالكفر لجاز أن يكون مؤمنا من لم يأت بالإيمان.

قال: تعلقت الخوارج والمعتزلة بهذه الآية؛ وقالوا: إن المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا يبقى في النار مؤبدا؛ لأن الله تعالى قال (خالدا فيها). يقال لهم: إن هذه الآية نزلت في كافر قتل مؤمنا متعمدا وقد ذكرنا القصة فيه، وسياق الآية يدل عليه؛ وروايات المفسرين تدل على أنها لو سلمنا بأنها نزلت في مؤمن قتل مؤمنا فإنا نقول لهم: لو قلتم إن الخلود التأبيد فأخبرونا عن قوله تعالى:

وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد

[الأنبياء: 34] هنا في الدنيا، فإن قلتم: إنه أراد التأبيد؛ فالدنيا تزول وتفنى، ومثله

أفإن مت فهم الخالدون

[الأنبياء: 34]، وقوله تعالى:

يحسب أن ماله أخلده

[الهمزة: 3].

وإن قلتم: لم يرد به التأبيد؛ وذلك القول منكم لا بد منه؛ فقد ثبت أن معنى الخلود غير معنى التأبيد، وكذلك العرب تقول: لأدخلن فلانا في السجن، فإن قلتم: المراد به التأبيد؛ فالسجن ينقطع ويفنى ويموت المسجون أو يخرج منه، فإن قالوا: إن الله تعالى لما قال ﴿ وغضب الله عليه ولعنه ﴾ دل على كفره؛ لأن الله تعالى لا يغضب إلا على من كان كافرا، قلنا: هذه الآية لا توجب عليه الغضب؛ لأن معناه: ﴿ فجزآؤه جهنم ﴾ ، وجزاؤه أن يغضب الله عليه ويلعنه، وما ذكره الله وجعله جزاء الشيء فليس يكون ذلك واجبا؛ لأنه لو كان على الوجوب لكان كقوله:

ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم

[الأنبياء: 29] وهي لغة العرب إذا قال القائل: جزاؤه كذا؛ ثم لم يجازه لم يكن كاذبا، وإذا قال: أجزيه ذلك ولم يفعل كان كاذبا، فعلم أن بينهما فرقا واضحا.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:

" ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم ﴾ قال: " هي جزاؤه أن جازاه " "

فإن قيل: قوله: ﴿ وغضب الله عليه ولعنه ﴾ من الأفعال الماضية، ومتى قلتم إن المراد به: فجزاؤه ذلك أن جازاه كان من الأفعال المستقبلة؟ يقال لهم: قد يرد الخطاب باللفظ الماضي والمراد منه المستقبل كقوله تعالى

وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله

[البروج: 8] أي إلا أن آمنوا بالله، ومثله كثير.

وأما قول من زعم: أنه لا توبة لمن قتل مؤمنا متعمدا، فإنه مخالف للكتاب والسنة، وذلك أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعا، وأمر بالتوبة منها، فقال عز وجل

وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون

[النور: 31] ولم يفصل بين ذنب وذنب، وإذا كان الله تعالى يقبل التوبة من الكفر فقبولها من القتل أولى، وقال تعالى:

والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق...

[الفرقان: 68] إلى قوله تعالى:

إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا

[الفرقان: 70] وقال إخوة يوسف:

اقتلوا يوسف

[يوسف: 9] ثم قالوا:

وتكونوا من بعده قوما صالحين

[يوسف: 9]. أي تائبين.

" وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أمن كل ذنب يقبل التوبة؟ قال: " نعم " ".

ثم المقتول إذا اقتص منه الولي فذلك جزاؤه في الدنيا، وفيما بين المقتول والقاتل الأحكام باقية في الآخرة؛ لأن الولي وإن قتله فإنما أخذ حق نفسه، وأما المقتول فلم يكن له في القصاص منفعة.

التفسير الكبير · الصفحة ٤٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٤٢٠