وقال الحسن: (مكث أيوب مطروحا على كناسة في مزبلة سبع سنين، وكان مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله والثناء عليه، والصبر على بلائه.
فصرخ إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعا من صبر أيوب، فلما اجتمعوا إليه قالوا له: ما أصابك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده، فلم أدع له مالا ولا ولدا، فلم يزدد إلا صبرا وثناء على الله، ثم سلطت على جسده فتركته جيفة ملقى على كناسة بني إسرائيل لا يقربه إلا امرأته، فاستغثت بكم لتقووني عليه.
فقالوا له: وأين مكرك وأين خداعك الذي أهلكت بها من مضى من الأمم؟ قال: بطل ذلك كله مع أيوب، فأشيروا علي. قالوا: أنت حين أخرجت آدم من الجنة من أين أتيته؟ قال: من قبل امرأته، قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته، فإنه لا يعصيها وليس يقربه أحد غيرها.
قال: أصبتم، فانطلق حتى أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل، فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت: هو ذاك يحك قروحه والدود يتردد في جسده، فوسوس إليها وذكرها بأيام شباب أيوب وجماله، وما كانا فيه من النعم والحال الطيب، وكيف تقلب عليهم الزمان حتى صار أيوب في هذا الضرر العظيم، ولم يزل يذكرها بأيام قد مضت حتى أبكاها، فلما علم أنها قد جزعت وحزنت، أتاها بسخلة وقال لها: قولي لأيوب يذبح هذه الشاة لي وهو يبرأ.
قال: فجاءت إلى أيوب وقالت له: إلى متى يعذبك الله ألا يرحمك؟ أين المال، أين الماشية، أين الولد، أين لونك الحسن؟ قد تغير وصار كما ترى، أين جسمك الحسن؟ قد بلي وتردد فيه الديدان، فاذبح هذه السخلة لمن أمرني واسترح.
فقال لها أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك فاحشه، ويلك أرأيت الذي تبكين عليه من المال والولد والصحة، من أعطانيه؟ قالت: الله، قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة، قال: فكم ابتلانا الله؟ قالت: سبع سنين، قال: وتلك ما عدلت ولا أنصفت، ألا صبرت حتى تكون في البلاء ثمانين سنة، كما كنا في الرخاء ثمانين سنة، والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، كيف تأمريني أن أذبح لغير الله؟ طعامك وشرابك علي حرام أن أذوق شيئا مما تأتيني به بعد إذا قلت لي هذا القول، فاعتزلي عني ولا أراك، فطردها فذهبت.
وقال وهب: (لم يأمرها إبليس بذبح السخلة، وإنما قال لها: لو أن بعلك أكل طعاما، ولم يسم عليه لعوفي من البلاء).
وروي: أن إبليس قال لها: اسجدي لي سجدة وأرد عليك المال والأولاد وأعافي زوجك، فأنا الذي صنعت بكم ما صنعت، فرجعت إليه فأخبرته بذلك، فقال لها: أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، وحلف إن عافاه الله ليضربنها مائة جلدة، وحرم طعامها وشرابها وطردها، فلما نظر أيوب إلى أنه قد طرد امرأته وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ساجدا لله عز وجل، وقال: إلهي مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، من طمع إبليس في سجود امرأتي له، ودعائه إياها وإياي إلى الكفر).
وإنما قال (مسني الضر) حين قصدت الدودة إلى قلبه ولسانه، فخشي أن يفتر عن ذكر الله، وقيل: إنما قال ذلك حين أتاه صديقان فقاما من بعيد لا يقدرون على الدنو منه من ريحه، فقال أحدهما لصاحبه: لو علم الله في أيوب خيرا ما ابتلاه بما ترى، قال: فما سمع أيوب شيئا كان أشد عليه من هذه الكلمة، فعند ذلك قال: مسني الضر من شماتة الأعداء، يدل عليه ما روي أنه قيل له بعد ما عوفي، ما كان أشد عليك في بلائك؟ قال: شماتة الأعداء، وأنشدوا في معناه:
كل المصائب قد تمر على الفتى
فتهون غير شماتة الحساد
كل المصائب تنقضي أيامها
وشماتة الحساد بالمرصاد
قال وهب: (فلما طرد أيوب امرأته، وبقي وحيدا ليس معه من يطعمه ويسقيه، قال عند ذلك: يا رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فقال له الله: إرفع رأسك؛ فقد استجبت لك، اركض برجلك، فركض برجله، فنبعت عين فاغتسل منها، فلم يبق من دائه شيء ظاهر إلا سقط عنه، وأذهب الله عنه كل ألم وسقم، وعاد إليه شبابه وجماله أحسن مما كان وأفضل، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى، فشرب منه، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، فقام صحيحا وكسي حلة، ثم التفت عن يمينه فرأى جميع ما كان له من أهل ومال وولد، وقد صار معهم مثلهم، قال الله تعالى: ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا ﴾.