21.81
قوله تعالى: ﴿ ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ﴾؛ أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة؛ أي شديد الهبوب. قال ابن عباس: (إن أمر الريح أن تعصف عصفت، وإذا أراد أن ترخى أرخت). وذلك قوله تعالى:
رخآء حيث أصاب
[ص: 36].
قوله تعالى: ﴿ تجري بأمره إلى الأرض ﴾ أي تجري بأمر سليمان من اصطخر إلى الأرض التي بارك الله فيها بالماء والشجر وهي الأرض المقدسة. روي: أن الريح كانت تجري بسليمان وأصحابه إلى حيث شاء سليمان، ثم يعود إلى منزله بالشام. قوله تعالى: ﴿ وكنا بكل شيء عالمين ﴾؛ بصحة التدبير فيه، علمنا أن ما يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه.
21.82
قوله تعالى: ﴿ ومن الشياطين من يغوصون له ﴾؛ أي وسخرنا له من الشياطين في البحر لاستخراج ما شاء من لؤلؤ ومرجان وغير ذلك من الجواهر. قوله تعالى: ﴿ ويعملون عملا دون ذلك ﴾؛ أي ويعملون دون الغواصة من أعمال البناء، قوله تعالى: ﴿ وكنا لهم حافظين ﴾؛ أي من أن يفسدوا ما عملوا، ومن أن يهيجوا على أحد في زمانه.
21.83-86
قوله تعالى: ﴿ وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر ﴾؛ أي دخل الضر في جسدي، ﴿ وأنت أرحم الراحمين ﴾؛ بالعباد، فكان هذا تعريضا منه بالدعاء لله لإزالة ما به من الضر، ﴿ فاستجبنا له ﴾ دعاءه، ﴿ فكشفنا ما به من ضر ﴾؛ وقوله تعالى: ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾؛ قال ابن مسعود وقتادة والحسن: (أحيا الله له أولاده الذين هلكوا في الدنيا بأعيانهم ورددنا له مثلهم).
ويقال: أبدله الله بكل شيء ذهب عنه ضعف، وعن ابن عباس قال:
" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ﴿ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ﴾ فقال: " يا ابن عباس، رد الله امرأته وزاد في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ذكرا " "
قوله تعالى: ﴿ رحمة من عندنا ﴾؛ أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا، ﴿ وذكرى للعابدين ﴾؛ أي وموعظة للمطيعين.
قال وهب بن منبه: (كان أيوب عليه السلام رجلا من الروم من ذرية اسحاق بن إبراهيم وكانت أمه من ولد لوط، وكان الله قد اصطفاه وبناه وبسط عليه الدنيا، وآتاه من أصناف المال من البقر والإبل والغنم والخيل والحمر ما لا يؤتيه أحدا، وكان قد أعطاه الله أهلا وولدا من رجال ونساء، وكان له خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال.
وكان أيوب عليه السلام برا تقيا رحيما بالمساكين، يكرم الأرامل والأيتام ويكفلهم، ويكرم الضيف، وكان شاكرا لأنعم الله، مؤديا لحق الله، قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الفتنة والغفلة والشهوة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا، وكان كثير الذكر لله تعالى مجتهدا في العبادة، وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السماوات.
ومن هنا وصل إلى آدم عليه السلام حين أخرجه من الجنة، فلم يزل على ذلك يصعد في السماوات حتى رفع الله عيسى عليه السلام فحجب من أربع، وكان يصعد في الثلاث، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حجب من الثلاث الباقيات، فهو وجنوده محجوبون من جميع السماوات إلى يوم القيامة إلا من استرق فأتبعه شهاب ثاقب.
فلما كان إبليس في زمان أيوب يصعد إلى السماء، سمع تحاديث الملائكة بصلاة أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه، فأدركه الحسد بأيوب، فصعد سريعا حتى وقف من السماوات موقفا كان يقفه، وقال: إلهي؛ عبدك أيوب قد أنعمت عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ولم تجربه بشدة ولا بلاء، وأنا لك زعيم لئن جربته بالبلاء ليكفرن بك.
فقال الله تعالى: انطلق؛ فقد سلطتك على ماله، فانقض إبليس حتى وقع على الأرض وجمع عفاريت الجن وقال لهم: ماذا عندكم من القوة؟ فإني قد سلطت على مال أيوب، وهي المصيبة الكبرى والفتنة التي لا تصبر عليها الرجال، فقال عفريت من الجن: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من النار، وأحرقت كل شيء أتى عليه، فقال له ابليس: إذهب إلى الإبل ورعاتها، فذهب إلى الإبل فوجدها في المرعى، فلم يشعر الناس حتى ثار إعصار تنفخ منه السموم، لا يدنو منه أحد إلا احترق، فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى على آخرها.