وعن ابن عباس قال: أتى جبريل إلى يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم، قال: حتى ألتمس دابة، قال: الأمر أعجل من ذلك، فانطلق إلى السفينة فركبها فأخشبت السفينة، فساهموا فخرج السهم عليه، فجاء الحوت ينصص بذنبه فالتقمه، فنودي الحوت: إنا لم نجعله رزقا لك، وإنما جعلناك له سجنا، وانطلق الحوت من ذلك المكان حتى مر به على الأيكة، ثم مر على دجلة).
وكان ابن عباس يقول: (كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت، ودليل هذا أن الله ذكر قصة يونس في سورة الصافات، ثم عقبها بقوله
وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون
[الصافات: 147]). وقال آخرون: بل كانت قصة الحوت بعد دعائه قومه، وتبليغه الرسالة.
21.88
قوله تعالى: ﴿ فاستجبنا له ونجيناه من الغم ﴾؛ أي أجبنا دعوته ونجيناه من تلك الظلمات، ﴿ وكذلك ننجي المؤمنين ﴾؛ إذا دعوني، كما نجينا ذا النون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" " اسم الله إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطي: دعوة يونس بن متى " قيل: يا رسول الله؛ هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: ليونس خاصة، وله وللمؤمنين عامة، أدعوا بها، ألم تسمع إلى قوله تعالى ﴿ وكذلك ننجي المؤمنين ﴾ ".
واختلفت القراءات في قوله ﴿ وكذلك ننجي المؤمنين ﴾ ، قرأ ابن عامر وأبو بكر: (نجي المؤمنين) بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء. وجميع النحويين حكموا على هذه القراءة باللفظ، وقالوا: هي لحن، ثم ذكر الفراء لها وجها فقال: أضمر المصدر في (نجي) أي نجي النجاء المؤمنين، كقولك: ضربت الضرب زيدا على إضمار المصدر؛ أي ضرب الضرب زيدا، وقال الشاعر:
ولو ولدت قفيرة جرو كلب
لسب بذلك الجرو الكلابا
وممن صوب هذه القراءة أبو عبيد، وأما أبو حاتم السجستاني فإنه لحنها ونسب قارئها إلى الجهل وقال: (هذا لحن لا يجوز في اللغة، ولا يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله، إلا أن تقول: وكذك نجي المؤمنون، ولو قرأ ذلك لكان صوابا).
قال أبو علي الفارسي: (هذا إنما يجوز في سورة الشعراء، فإن قيل: لم كتب في المصاحف بنون واحدة؟ قيل: لأن الثانية لما سكنت وكان الساكن غير ظاهر على اللسان حذفه، كما فعل ذلك في (ألا) فحذفوا النون من (أن لا) لخفائها إذا كانت مدغمة في اللام).