تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلهي تقطعت أصابعي فإني لا أقدر أحمل اللقمة بيدي، إلهي تساقطت لهواتي ولحم رأسي، وما يراد بي، وسال دماغي من فمي، وتساقط شعر عيني، وكانما أحرق وجهي، فحدقتاي متدليتان على وجهي، وورم لساني حتى ملأ فمي فما أدخل فيه طعامي إلا غصها، وورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي، وغطت السفلى ذقني، وتقطعت أمعائي في بطني. إلهي ذهبت قوة رجلاي حتى لا أطيق حملها، وذهب المال حتى صرت أسأل اللقمة من كنت أعوله فيمنها علي ويعيرني.

إلهي هلك أولادي ولم تبق منهم واحدا لإعانتي ونفعني، إلهي قد ملني أهلي وعفني أرحامي وأنكرني معارفي، وأعرض عني صديقي وهجرني أصحابي، وجحدت حقوقي ونسيت صنائعي. أصرخ فلا أحد يصرخني، وأعتذر فلا أحد يعذرني، وأدعو فلا أحد يجيب. إن فضلك هو الذي أذلني وأعماني، وسلطانك هو الذي أسقمني وأنحلني، فلو أن ربي فرغ الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بما ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يصافيني، ولكنه ألقاني وتعالى عني، فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه لا هو نظر إلي فرحمني ولا هو أدناني منه فأتكلم بحاجتي، وأنطق ببراءتي وأخاصم عن نفسي.

فلما قال ذلك أيوب، نودي: يا أيوب؛ إني لم أزل منك قريبا، فقم خاصم عن نفسك، وتكلم ببراءتك، وشد إزارك، وقم مقام جبار لتخاصمني. يا أيوب؛ إنك أردت أن تخاصمني بعيبك، وتحاجني بخطئك، أم أردت أن تكاثرني بضعفك، أين أنت مني يوم خلقت السماوات والأرض؟ هل علمت بأي مقدار قدرتها، أم كنت معي يوم مددت أطرافها، أم هل علمت ما في زواياها؟

أين أنت مني يوم سخرت البحار وانبعثت الأنهار، أقدرتك حبست البحار وأمواجها؟ أم قدرتك محت الأرحام حين بلغت مدتها؟ أين أنت يوم نصبت شوامخ الجبال، ويوم صببت الماء على التراب؟ أبحكمتك أحصيت القطر وقسمت الأرزاق؟ أم قدرتك تسير السحاب؟ أم هل خزنت أرواح الأموات خزانة الثلج وجبال البرد؟ وهل تدري أين خزانة الليل والنهار؟ وأين طريق النور، ومن جعل العقول في أجواف الرجال؟ أين أنت يا أيوب يوم خلقت التنين رزقه في البحر ومسكنه في السحاب، عيناه توقدان نارا ومنخراه يثوران دخانا، يثور منهما لهبا كأنه إعصار، النار جوفه يحترق ونفسه تلتهب، كأن صريف أسنانه أصوات الصواعق، وكأن وسط عينه لهيب البرق، لا يفزعه شيء، ويهلك كل شيء يمر عليه، هل أنت يا أيوب آخذه بأحبولتك، أو واضع اللجام في شدقه؟ هل تحصي عمره أو تعرف أجله أو تعطيه رزقه؟.

فقال عند ذلك أيوب: قصرت عن هذا الأمر، ليت الأرض تنشق لي فأذهب فيها، اجتمع علي البلاء الحي، قد جعلتني لك كالعدو، وقد كنت تكرمني إلهي، هذه كلمة زلت على لساني فلن أعود بشيء تكرهه مني، قد وضعت يدي على فمي، وعضضت على لساني، وألصقت خدي بالتراب ودسيت فيه وجهي لذلي وسكت كما أسكتتني خطيئتي، ربي اغفر لي ما قلت فلا أعود لمثله أبدا.

فقال الله عز وجل: يا أيوب؛ قد نفد فيك علمي، وسبقت رحمتي غضبي، إن أخطأت فقد غفرت لك، ورددت عليك مالك وأهلك مثلهم معهم؛ لتكون لمن خلفك آية، وتكون عبرة لأهل البلاء وعبرة للصابرين، اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك فاركض برجلك، فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل منها، فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء.

فأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه فلم تجده، فقامت كالوالهة فوجدته جالسا عند العين فلم تعرفه، فقالت له: يا عبد الله؛ هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ها هنا؟ فقال: وهل تعرفينه؟ قالت: نعم؛ وما لي لا أعرفه؟ فتبسم فقال أنه هو، فعرفته بمضحكه، فاعتنقته).

قال ابن عباس: (فوا الذي نفسي بيده؛ ما فارقته من عناقه حتى مر بهما كل مال لهما وولد).

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" أقام أيوب في بلائه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد "

التفسير الكبير · الصفحة ١٢٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٢٣١