تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الديني، والجمع بينه وبين العلم العصري، وكان من أثر هذا ما شرحه هذا الكتاب.

ذهب إلى إيران، فنفخ فيها روح التجديد في السياسة والعمران، فما زال

يفعل فعله فيها بين قيام وقعود، وهبوط وصعود، حتى ظفرت بالحكومة النيابية في

عهد الشاه مظفر خان، وما زالت تنتقل في أطوار التجديد والإصلاح.

ثم انتهى إلى عاصمة الدولة العثمانية، فأنشأ يرشد السلطان لوسائل الاستفادة

من منصب الخلافة الإسلامية، ويجمع له كلمة الشعوب والمذاهب المختلفة، حتى

إنه أقنع كثيرا من علماء الشيعة المجتهدين بالاعتراف بخلافته وجعلها مناط الوحدة

الجامعة للمسلمين؛ ولكن قرناء السوء خوفوا السلطان من النهوض بهذه الجامعة،

فأعرض عنها، وكان السيد مع ذلك يبث هنالك أفكار الإصلاح والتجديد، الجامع

بين الطريف والتليد إلى أن قضى نحبه ولقي ربه، رحمه الله وقدس سره.

الأستاذ الإمام:

أرأيتك هذا المصلح العظيم، والمجدد الحكيم، إنه لم يظفر في شعب

من الشعوب الإسلامية بمن يصلح أن يكون خليفة له، ومتمما لإصلاحه بما يرجى

به دوامه، بعد أن وجه إليه الوجوه، وعلقت بطلبه القلوب، على كثرة من

المصطبغين بصبغته، إلا رجل مصر الشيخ محمد عبده؛ لأن منصب إمامة

الإصلاح والتجديد لا يرتقى إليه بوسائل الذكاء والتفكير والتربية والتعليم وحدها، بل

لا بد فيه من الاستعداد الروحي والمواهب الفطرية كما قررنا.

كان الشيخ محمد عبده سليم الفطرة، قدسي الروح، كبير النفس، وصادف

تربية صوفية نقية، زهدته في الشهوات والجاه الدنيوي، وأعدته لوراثة هداية

النبوة، فكان زيته في زجاجة نفسه صافيا، يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، فمسته

شعلة من روح السيد جمال الدين الأفغاني؛ فاشتعل نورا على نور {يهدي الله

لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} (النور: 35) .

اقرأ في الصفحة 25 من هذا الكتاب كيف زار السيد للمرة الأولى هو

وصديقه وأستاذه الشيخ حسن الطويل في خان الخليلي، وكيف كان أول حديثه

معهما السؤال عن تفسير بعض آي القرآن وما يقول العلماء والصوفية فيها، وأنه

بين لهما قصور كل ما قالوه وجاء من عنده بخير منه، وكيف أعجبا كلاهما بما قال؛

ولكن الشيخ حسنا ظل على حاله؛ لأنه كان قد بلغ منتهى استعداده، وكان أرقى

علماء الأزهر عقلا وعلما وزهدا.

وأما الشيخ محمد عبده فكان يشعر بأن كل ما أصابه من حسن تربية الشيخ

درويش، ومن علم الشيخ الطويل والشيخ القصير [3] دون ما تسمو إليه نفسه،

ويتطلع إليه عقله، وتضطلع به همته، وكان يطلبه بما استطاع من الوسائل فلا

يجده؛ ذلك أن روحه كانت مستشرفة للعرفان الذي يصعد بها إلى سماء الوراثة

النبوية في إصلاح البشر، وتجديد أمر الدين الذي بشر به المصلح الأعظم صلى

الله عليه وسلم، فاتصل بالسيد جمال الدين من ذلك اليوم حتى اقتبسه منه، وكان

خليفته فيه، لكن من ناحية تربية الأمة التي كان يتمنى قيام السيد بنفسه بها - إذ لا

يثبت إصلاح الحكومات بدونها - لا من ناحية استبدال حكومة مستبدة بغيرها

(راجع ص974) .

تلك الوراثة النبوية التي عبر عنها يوم موت السيد بقوله في رثائه الوجيز

البليغ: (والدي أعطاني حياة يشاركني فيها علي ومحروس [4] ، والسيد جمال

الدين أعطاني حياة أشارك بها محمدا وإبراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم

وسلم والأولياء والقديسين، ما رثيته بالشعر لأنني لست بشاعر، ما رثيته بالنثر

لأنني لست الآن بناثر، رثيته بالوجدان والشعور لأنني إنسان أشعر وأفكر) اه

بنصه تقريبا [5] .

هذه الوراثة هي التي أخرج الله تعالى بها محمدا عبده من خمول تصوفه،

وخمود أزهريته إلى ميادين الجهاد في سبيل التجديد الديني، والإصلاح الاجتماعي

المدني، يخوض غمرات الثورات، وتتقاذفه أمواج الأسفار، وتكافحه فتن الأمراء

المستبدين، وجهالة حملة العمائم الجامدين، من حيث بقي حسن الطويل نديده في

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٥