التصوف والفلسفة قابعا في كسر بيته، راضيا بخموله وراحة نفسه، وإن في
الصلاة لراحة، وإن في العلم والذكر للذة؛ ولكن ثوابهما قاصر على صاحبهما،
وثواب الجهاد متعد لكل من ينتفع به، والإنسان الكامل من يجمع بينهما.
بهذا الروح العلوي كان يقول له أستاذه السيد جمال الدين، وهو مجاور يلبس
الزعبوط: (قل لي بالله أي أبناء الملوك أنت؟) ذلك السيد الذي كان يخاطب الملوك
المستبدين خطاب الأقران، بل يهدد بعضهم، ويمن على بعض فيقول للسلطان عبد
الحميد: (إنني لأجل أمرك قد عفوت عن شاه إيران) ويقول له السلطان بحق:
(يخاف منك الشاه خوفا عظيما) [6] .
بهذا الروح العلوي كان يشرف من سماء إدارة المطبوعات بالسيطرة
والسلطان على الحكومة المصرية من أعلاها إلى أدناها، فيأمرها وينهاها، منتقدا
أعمالها، مرشدا عمالها، يخطئ لغتهم الكتابية فيضطرهم إلى إصلاحها في معاهد
التعليم، ويفند أعمالهم فيقيمهم على صراط العدل المستقيم، بل أزعج بمقالاته في
انتقاد وزارة المعارف ناظرها حتى شكاه إلى رئيس النظار رياض باشا فما أشكاه،
وكلم الرئيس الشيخ فأقام له البرهان على وجوب الإصلاح، وأقنعه بإنشاء المجلس
الأعلى المقيد لاستبداد وزيرها في الأعمال، فأنشأه برأيه، وكان هو سكرتير ذلك
المجلس وصاحب التأثير الأكبر فيه.
بهذا الروح العلوي كتب ذلك الكتاب البليغ في سجنه وأعلن فيه عفوه عمن
وشوا به وأساءوا إليه على ما كان من إحسانه إليهم، وجزم بما أعدت له العناية من
المجد، واعدا بأن سيفعل المعروف، ويغيث الملهوف.. . وكذلك كان.
بهذا الروح العلوي كان هو الرأس المدبر في كل مجلس رسمي عين عضوا
مرءوسا فيه، كمجلس إدارة الأزهر، ومجلس الأوقاف الأعلى، ومجلس شورى
القوانين، وتجد إثبات ذلك في بيان أعماله فيها من هذا الكتاب، سافرة الوجه ليس
دونها نقاب.
بل بهذا الروح العلوي كان أميره يكبره ويهابه، ويقول إنه يدخل علي كأنه
فرعون؛ وإنما كان يدخل عليه كدخول موسى عليه السلام على فرعون، متوكئا
على عصا الحق، داعيا إلى الإصلاح والخير، ناهيا عن الاستبداد والبغي، كقوله
له في مجلس تشريف المقابلة الحافل بالعلماء: إن مجلس إدارة الأزهر لا يعرف
لسموكم أمرا عليه، إلا بهذا القانون الذي بين يديه، دون الأوامر الشفوية التي
يبلغها عنكم من لا يثق به المجلس لمخالفته لقانونكم.
تلك آيات بينات من حياة كل من الروحين على الانفراد، فما رأيك إذا اجتمع
هذا الروح العلوي بذلك الروح الأعلى الذي أذكى سراجه الوهاج، واتحدا في عمل
من الأعمال؟ ذلك ما كان من إصدارهما جريدة العروة الوثقى، التي لا نعرف في
تاريخنا كلاما بشريا أبلغ من مقالاتها في إصابة مواقع الوجدان من النفس،
ومواضع الإقناع من العقل، وتجرئة الضعفاء على الثورة على الأقوياء، والجهاد
لتحرير أمتهم، واستقلال بلادهم.
فإن سألت عن تأثيرها في رعب العظمة البريطانية، وإثارة العالم الإسلامي
والشعوب الشرقية؛ فإنك تجد قصصها مبسوطا في هذا الكتاب، بما يشبع نهمتك
السياسية من إسهاب، ويروي غلتك الأدبية من إطناب (ص298 و303) .
وإنه ليبسط لك بالروايات الصحيحة، والشواهد الصادقة، كل ما أشرنا إليه
في هذا التصدير من آثار تلك الروح القدسية، وتجديد الإصلاح المنقذ للأمم
والشعوب من رق الفاتحين المستعمرين، وظلم المستبدين القاهرين، وجمود الفقهاء
المقلدين، ودجل المتصوفة الخرافيين، فاطلبه من هذا التاريخ؛ فإنه يقصه عليك
مفصلا تفصيلا.
فاقرأه أيها الغيور على قومه ووطنه فصلا فصلا، وتدبر مقاصد فصوله
مقصدا مقصدا، ثم اقرأ في الجزء الثاني له مقالات الإمام الاجتماعية والأدبية،
ولوائحه في إصلاح التربية والتعليم، ورسائله الدينية والأدبية للعلماء والأدباء، ثم
ارجع البصر إلى الجزء الثالث واعتبر بتأثير وفاته في العالم الديني والمدني،