واستخدام قوى الطبيعة، تستلب ملك أمم جاهلة، متفرقة متخاذلة مختلة النظام،
مستعبدة للمستبدين، منقادة للخرافيين، وقد قذف في قلوبهم الرعب؛ فكانوا مصداق
قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة
إلى قصعتها [1] ، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير؛
ولكن غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن
في قلوبكم الوهن، قال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية
الموت) [2] ، فمن ذا الذي يضطلع بتجديد حياة هؤلاء الموتى، ويحشرهم من
قبورهم.
ألا إن الرجل الذي ينبعث إلى نفخ روح الحياة في شعوب هبطت إلى هذه
الدركات من الوهن، وبعثها إلى مجاهدة أمم عرجت إلى تلك الدرجات من القوة -
يجب أن يكون ذا روح علوية، أوتيت حظا عظيما من وراثة النبوة في كمال
الإيمان، وصحة الإلهام، وعلو الهمة، وقوة الإرادة، وصدق العزيمة، وإخلاص
النية، وقوة الفراسة، والزهد في الشهوات البدنية، واحتقار الزينة الخادعة،
والزهد في الجاه الباطل وعدم الخوف من الموت، وأن يكون ذا وقوف على حالة
العصر، وتاريخ الشعوب الديني والسياسي، وسنن الله في الاجتماع، وفصل
الخطاب في الإقناع، وفصاحة اللسان وبلاغة التعبير وقوة التأثير، ثم يكون ما
يحذقه من سائر العلوم مددا له في عمله.
حكيم الشرق والإسلام:
كذلك كان ذلك الروح العلوي النبوي، الذي تمثل للأفغان في ناسوت بشري
جلس في دروس العلم، فحذق العلوم والفنون القديمة نقليها وعقليها في بضع سنين،
وألم بالهند لتلقي مبادئ العلوم الأوربية، فوقف على ما شاء منها في زهاء سنتين،
ثم حج في سنة 1273، ومكث في سفره زهاء سنة يتقلب في البلاد الإسلامية
لاكتناه أخلاقها وعقائدها الدينية، واختبار أحوالها الاجتماعية والسياسية.
ثم عاد إلى بلاده فانتظم في سلك حكومتها وهي ممزقة بالفتن الداخلية،
وموبوءة بالدسائس البريطانية، فكاد بتدبيره يخلص الأمر فيها لأميرها محمد أعظم
خان الذي بوأه مكان الوزير الأول عنده، لولا ما عارض ذلك من الدسائس
الإنكليزية، التي تمدها القناطير المقنطرة من الجنيهات الإسترلينية، والروبيات
الهندية.
واضطر بفشل أميره إلى هجر وطن ولادته ونشأته، إلى حيث يمكنه
الإصلاح من أوطان أمته، فمر بالهند، فبالغت حكومتها الإنكليزية بالحفاوة في
ضيافته، مع إحاطة عمالها وجواسيسها بمجالسه، ومنع علمائها من الاتصال به،
ولكنه نفخ فيمن لقيه من كبرائها روح الاستقلال، والجرأة على كسر مقاطر
الاستعباد، ثم كان يغذي ذلك الروح بالكتاب وتلقين الأفكار، لمن يلقى من رجالها
في مصر وأوربة وسائر البلاد، وبمقالات له في الجرائد نشرناها في المنار،
وناهيك (بالعروة الوثقى) التي كادت تضرم نيران الثورة فيها، وكان موقنا باستقلالها
من بعده، حتى إنه قال للشيخ عبد الرشيد التتاري: (يا ولد، إنك ستصلي صلاة
الجنازة على القيصرية الروسية، وستحضر تشييع جنازة الإمبراطورية الإنكليزية
في الهند) وقد تمت البشارة الأولى، وظهرت بوادر الثانية في هذه الأعوام.
وأغرب من ذلك أنه حمله تقريرا منه إلى جمعية سياسية سرية في عاصمة
الروسية رئيسها عم القيصر، وقال له: (اذهب بهذه الرسالة وأوصلها إلى
الغراندوق فلان، واعلم أنك إما أن تقتل، وإما أن تفوز وتغنم) فأوصلها فقام
الغراندوق لها وقعد، ثم أعاده بها إلى بلاد اليونان ليطبعها فيها باللغة الروسية
ويرسلها إليه، وعرض عليه من المال ما شاء، فلم يأخذ إلا القدر الضروري،
ولقي أهوالا كادت تذهب بحياته.
جاء هذا السيد مصر فنفخ فيها روح الحكومة النيابية، وألف فيها الحزب
الوطني الأول لتقييد سلطان الحكومة الشخصية، وغذى تلاميذه ومريديه بعشق
الحرية ووسائلها من العلم والكتابة والخطابة، كما أرشد المسلمين منهم إلى الإصلاح