بين أنواع من التجديد كالسلطان صلاح الدين الأيوبي الذي كسر جيوش الصليبيين
من شعوب الإفرنج المتحدة، وأجلاهم عن البلاد الإسلامية المقدسة وغيرها، وأزال
دولة ملاحدة العبيديين الباطنية من البلاد المصرية، وكذلك فتح الترك لكثير من
ممالك أوربة، عرف فيها مجد الإسلام.
ضعف الإسلام السياسي وملكه:
ثم اتسع ملك الإسلام وزالت وحدة أحكامه بانقسام الخلافة إلى خلافتين،
فزوال كل منهما، وكثرت دوله، فتفرقت وحدة أمته السياسية إلى شعوب مختلفة في
الأجناس والأوطان، ووحدة ملته الدينية إلى مذاهب مختلفة في الأصول والفروع،
فتعادوا في الدنيا والدين، وتقاتلوا على عصبيات الملوك والسلاطين، فحق عليهم
قول كتاب ربهم: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ (الأنفال: 46)
فسلط الله عليهم أعداءهم، فثلوا أكثر عروشهم، وانتزعوا منهم أكثر بلادهم {ذلك
بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع
عليم} (الأنفال: 53) ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾ (هود: 117) وكان يظهر في هذه الدول المتفرقة مجددون متفرقون في العلم كما
تقدم، وفي الإدارة والعمران كمحمد علي باشا بمصر، وفي الحرب كالأمير عبد
القادر في الجزائر، ويعقوب بك في تركستان الصينية، وفي السياسة كمصطفى
رشيد باشا، وعالي باشا وفؤاد باشا في الترك وخير الدين باشا في تونس، وفي
إرشاد العامة والبدو للدين والدنيا كالسيد السنوسي.
حال البشر الأخير وما يقتضيه من التجديد:
في أثناء هذا الضعف الإسلامي العام، دخلت الشعوب الإفرنجية في طور
جديد في الفتح والغلب والسياسة والعمران، قوامه العلوم الكونية والفنون
والصناعات والثروة والنظام، وتجدد فيها من آلات الحرب وكراعها، وأسلحة
القتال وعتادها، ما يمكن الجند القليل من إبادة جند يفوقه أضعافا مضاعفة في العدد
والشدة والشجاعة في زمن قصير.
واستحدث فيه من النظام ما يسهل به على أفراد ممن حذقوه ومردوا عليه أن
يسخروا لخدمتهم شعبا كبيرا غريبا عنهم في جنسه ولغته ودينه، كما يسخرون
الأنعام الداجنة والسائمة، والحمر الموكفة والخيل المسومة، فيذلون بالجماعات
المذللة منه الجماعات المتمردة، ويستنزفون ثروته كلها فيجرفونها إلى بلادهم التي
نزحوا منها فاتحين مستعمرين، ويتصرفون في قواه المعنوية وروابطه القومية
والدينية، كما يتصرفون في حرثه ونسله، ولحمه ودمه، وأرضه وماله، وهكذا
يتصرف العلم بالجهل والنظام بالفوضى.
وابتدع فيه من مراكب النقل والتسيار، وآلات رفع الأثقال، وأجهزة تبليغ
الأخبار، ما مهد السبل لمبتدعيها ومتخذيها من كل ما أشرنا إليه من الأعمال
الحربية، والتصرفات السياسية، والوسائل الاقتصادية، وصارت المسافة بين
القارة والقارة أقرب من المسافة بين بلد وآخر من مملكة واحدة، وهو ما عبر عنه
في الحديث النبوي بتقارب الزمان.
اتسعت بذلك مسافة الخلف بين الشعوب في العلم والعمل ووسائلهما، واشتدت
الحاجة إلى تجديد الحياة في المتخلفة منها عن المتقدمة، لا ينهض بمثله أمثال
أولئك المجددين القدماء بالوسائل القديمة وحدها، ولا يطمح إليه صوفي يستمد قوته
من الأموات ويتكل على الكرامات ويغتر بالمنامات، ولا يطمع في تذليل صعابه
واقتحام عقابه غريق في بحار النظريات العقلية، ومغترق الأفكار بنظريات الفلسفة،
ولا يطلع ثناياه، ويجتلي خفاياه، منقطع إلى كتب الشرائع، واستنباط أحكام
الوقائع، ولا يتسامى إليه من تعلم العلوم والفنون العصرية تعليما آليا ليكون أحد
العمال في دائرة من دوائر الحضارة، أو ديوان من دواوين حكومتها.
إن هذا لبدع من الخطوب الكبرى غير العادي، لا ينبعث إلى تلافيه إلا بدع
من كبراء الرجال غير عادي، أمم قوية بالعلم الجديد والفن الحديد، والسلاح
الشديد، والنظام الدقيق في السياسة والإدارة والمال، والتعاون بتوزيع الأعمال