تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرافعي في جنسية مصر، ولعل تاريخهم فيها يقارن تاريخ بيت الملك، وينفي

بالأولى جنسية هذا الواقف بين أيديكم أيها السادة؛ لأن تاريخ هجرته إليها لا يزيد

على ثلث قرن، وهو يحرم عليكم قراءة مجلته المنار الإسلامي، بل السماح ببقائها

في مصر، إذ يقول في آخر هذه المقالة: (فلنفهم واجبنا ولنعلم أن الوطن خالد، وأن

شيوخنا وشبابنا مصريون قبل كل شيء، عليهم واجب محتوم يقاضيهم إياه شرف

البلاد، وهو أنه يجب أن تكون الصحافة المصرية صناعة مصرية، لا تنحصر

مصريتها في أن يكون قراؤها مصريين، بل يجب أن يكون أصحابها ومحرروها

مصريين أيضا) اه بحروفه.

ولهذا المجدد الذي كان أول داع إلى مساواة النساء بالرجال في الميراث في

العهد الأخير من مجلته هذه دعاية جديدة إلى بث دين البابية البهائية في مصر مع

تصريحه بأنه لا يؤمن به وتعليله ذلك بقوله: (فإن لنا من المزاج الأدبي الفلسفي

ما يجعلنا نلتمس لأنفسنا صوفية عالمية بغير الدين) ولكن غرضه من الدعوة

إليها صرف بعض المسلمين بها عن الإسلام لإضعاف جامعته الحائلة دون جعل

مصر فرعونية أي قبطية محضا، ولم أصرح بهذا التعليل في المحاضرة.

أيها السادة:

إنني أذكر هذا لأنه من موضوع التجديد والمجددين الذي نعالجه لبيان حقيقته،

والتمييز بين حقه وباطله، ومحاولة اتقاء ضرره، كما قدمت في أوائل هذه

المحاضرة، فأنا أمر بسبه وقذفه كريما بسلام كما أمر الله في القرآن [2] وأتقي قول

رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان) رواه

الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد، ولا أريد أن أخوض مع الخائضين في

مسألة القبط والمسلمين، والعرب الفرعونيين [3] ؛ وإنما غرضي أن أنبه هذا الشباب

المصري الإسلامي لما يتنازعه في دينه ولغته وثقافته من عوامل الإلحاد والفرعونية

برقيتي التجديد والوطنية، لتجريده من هداية دينه وأدبه وتشريعه وعربيته وما له

في الإسلام والعربية من تاريخ مجيد، وما له بإسلامه وعربيته من زعامة في مئات

الملايين من البشر، لتكون غاية ذلك أن يصير مسلمو مصر بنفوذ شبانهم ملاحدة

حائرين، يتلمسون صوفية علمية بغير الدين، يتكلفون لمسها وهيهات أن يجدوها،

أو يكونوا بابيين يعبدون البهاء دفين عكاء، أو نصارى كسادة وطنهم من القبط

وأعوانهم يعبدون المسيح عليه السلام.

وكل هؤلاء الدعاة إلى التجديد الإلحادي يعتقدون أن هذه هي العاقبة الطبيعية

للإلحاد، كما قرره أحد كتاب فرنسة المستعمرين في كتاب جديد له رددت عليه في

المنار، قال ما خلاصته: إن تنصير المسلمين تنصيرا مباشرا من المحال؛ وإنما

الطريقة المثلى لذلك إفساد دينهم عليهم بالإلحاد، ولما كان من المحال أن تعيش أمة

بغير دين كانت العاقبة بعد زوال كل أثر للإسلام من أنفسهم، أن يختاروا دين

الغالبين السائدين فيهم وفي غيرهم وهو النصرانية.

وقد رأيتم في هذه الأيام كيف جدد الأستاذ عزمي دعوة الأستاذ سلامة موسى

إلى نبذ حكم القرآن في الميراث، وكيف قام الدكتور فخري يعزز هذه الدعاية

وسمعتم وقرأتم ما يحتجون به على المسلمين ويقنعون به شبانهم الغافلين، عما يراد

بهم، وهو أن ترك الحكومة من قبل لبعض أحكام الإسلام المدنية والجنائية يوجب

عليهم أن يتركوا سائر أحكامه حتى المسائل الشخصية.

(لها بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) هو شاب قبطي اسمه سلامة موسى شديد الشنآن للإسلام والطعن فيه من طريق الإلحاد والإباحة والعصبية الوطنية الفرعونية أي القبطية، ولم أذكر اسمه في المحاضرة تنزها عن الإشادة باسمه، ومن غريب المشاكلة في الإلحاد أن صاحب مجلة عربية من بيت كريم في سورية جاء مصر، فكان هذا القبطي وبعض قرنائه الملاحدة محل مودته وإعجابه، وما زال ينوه بهم في مجلته.

(2) إشارة إلى قوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) (الفرقان: 63) ، وقوله بعده:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٣٤