أن المراد بها شيء أراه الله تعالى إياه في تلك الليلة لا نفس الإسراء، ولهذا قال
الحافظ في شرحها: إنه لم يصرح بالمرئي، وذكر عن سعيد بن منصور عن
طريق أبي مالك: هو ما أري في طريقه إلى بيت المقدس، أي ومنه أنه رأى عيرا
لهم قد ضلت وجمعها فلان، فالإشكال في هذه الرواية محصور في إضافة الرؤيا
إلى العين، وهو خلاف استعمال القرآن والأحاديث الكثيرة وما نقل رواة اللغة،
والآية صريحة في أن هذه الرؤيا كانت فتنة للناس لا بعض ما شاهده صلى الله
عليه وسلم في ليلتها، وهذا المكان لا يتسع لتحرير هذا البحث.
وفسرها بعضهم بما روي من رؤيته صلى الله عليه وسلم كأن بني أمية
يتعاورون على منبره، وقد كان ملك بني أمية مثار أكبر الفتن في الإسلام، وقد
عرفت رأي الجمهور.
(3) طوفان نوح:
ظاهر القرآن أنه كان على قوم نوح فقط لأنه عقاب لهم، وهل كان يوجد
على الأرض غيرهم من البشر حتى يكون لهذا السؤال وجه من النظر؟ قد يقال:
إنه لم يكن يوجد غيرهم بدليل قوله تعالى: {وقال نوح رب لا تذر على الأرض
من الكافرين ديارا} (نوح: 26) وهذه الدلالة غير قطعية، فإن كل قوم يطلقون
لفظ الأرض على أرض وطنهم كقوله تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض
ليخرجوك منها} (الإسراء: 76) فالمراد بالأرض هنا أرض مكة، ولهذا
أمثال.
والتحقيق في المسألة أنه ليس في القرآن نص قطعي على أن الطوفان عم
الأرض كلها؛ ولكنه هو الذي جرى عليه المفسرون وغيرهم بناء على أنه ظاهر
الآيات في القصة كان عليه جميع أهل الكتاب، ولا يوجد دليل قطعي ينقض هذا
الظاهر الظني فنحتاج إلى تأويله، وما يقوله علماء الجيولوجية قد يرد على
نصوص التوراة التي تحدد تاريخ نوح والطوفان بحد قريب، إذ يجزمون بأن
الأرض كانت فيه على ما هي عليه اليوم بالتقريب، والقرآن لم يحدد تاريخ التكوين
والبشر ببضعة آلاف من السنين كسفر التكوين، بل قال الله تعالى فيه: {ما
أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم} (الكهف: 51) فعلى هذا
يحتمل أن يكون الطوفان قد وقع منذ مئات الألوف أو ألوف الألوف من السنين، إذ
كانت اليابسة التي نتأت في الكرة المائية صغيرة، والجبال فيها قليلة غير شامخة،
فطبيعتها كانت قابلة لمثل هذا الطوفان، وجاء في المواقف عن الإمام الرازي أن
هذه الأرض كانت مغمورة بالمياه بدليل ما يرى في رؤوس الجبال من الأصداف
البحرية، وكذا الأسماك المتحجرة، وهذا متفق عليه عند علماء الكون في هذا
العصر. والجودي المكان أو الجبل الذي استوت عليه السفينة، وليس في الكتاب
ولا في الأحاديث المرفوعة تعيين مكانه؛ لأن العبرة لا تتوقف عليه.
وللأستاذ الإمام فتوى في أن عموم الطوفان هو ظاهر النصوص لا مدلولها
القطعي، وإننا لا نعدل عن القول بالظاهر إلا إذا قام دليل قطعي على خلافه، ولما
يقم هذا الدليل عندنا وهذه الفتوى منشورة في المنار في تاريخ الأستاذ الإمام.
(4) حقيقة الطير الأبابيل:
ليس عندنا دليل نقلي عن الله ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم نعرف به
حقيقة تلك الطير؛ ولكن جاء في الأخبار التاريخية التي كانت العرب تتناقلها أن
أصحاب الفيل الذين جاءوا لهدم بيت الله تعالى في مكة أصابهم وباء الجدري
والحصبة فأهلكهم.
فالظاهر أن تلك الطير الأبابيل أي الجماعات هي التي حملت إليهم جراثيم
هذا المرض بصفة وبائية، إذ رمتهم بحجارة من سجيل وهو الطين المتحجر، وقد
روي أنها جاءت من البحر، فيظهر أنها كانت ملوثة بسم المرض من مستنقع في
شاطئه فأصاب أبدانهم من جروح أحدثتها بها أو كانت فيهم، واختلطت بطعامهم
وشرابهم، وجوز شيخنا في تفسير السورة أن تكون تلك الطير من الأحياء الصغيرة
التي تسمى في عرف أطباء هذا العصر بالميكروبات، فراجعوا عبارته في تفسير
جزء عم.
(5) حديث (من زار قبري وجبت له شفاعتي) :