تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معناه: فإن اطلع على أن الوصيين استوجبا ذنبا بالخيانة واليمين الفاجرة حيث قالا: إن الميت لم يبع شيئا من متاعه، ثم قالا بعد ظهور الإناء في أيديهما أنهما ابتاعاه منه، فآخران من أولياء الميت وهما عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة، يقومان مقام النصرانيين الخائنين في اليمين، فيحلفان بالله، ﴿ لشهادتنا أحق ﴾؛ بأن الإناء لصاحبنا، وأنهما لا يعلمان بأن الميت باعه في حياته، ﴿ من شهادتهما ﴾؛ أي أعدل وأحق بالقبول من شهادة النصرانيين، ﴿ وما اعتدينآ ﴾؛ فيما ادعينا وحلفنا، ﴿ إنا إذا لمن الظالمين ﴾؛ على أنفسنا لو اعتدينا.

وقوله: ﴿ من الذين استحق عليهم الأوليان ﴾ راجع إلى قوله ﴿ فآخران ﴾ ، و ﴿ الأوليان ﴾ بدل من (آخران) كأنه قال: وآخران من الذين استحق عليهم الوصية، وهم ورثة الميت وأولياؤه، وهما الأوليان بالميت. ويقال: الأوليان باليمين يقومان مقام النصرانيين في اليمين،

ويقال: معنى ﴿ استحق عليهم ﴾ أي استحق فيهم الإثم وهم الورثة، استحق النصرانيان الإثم بسببهم، وقد تقام على مقام (في)، كما في قوله تعالى:

ولأصلبنكم في جذوع النخل

[طه: 71]. واحد الأوليان: الولى، والجمع: الأولون، والأنثى الولياء، والجمع الوليات والولي.

وقرأ الحسن وحفص: (من الذين استحق عليهم) بفتح التاء والحاء؛ أي وجب عليهم الإثم، ثم قال ﴿ الأوليان ﴾ راجع إلى قوله ﴿ فآخران ﴾ الأوليان، ولم يرتفع بالاستحقاق. وقرأ الباقون (استحق) بضم التاء وكسر الحاء على المجهول، يعني الذين استحق فيهم ولأجلهم الإثم وهم ورثة الميت، استحق الحالفان بسببهم وفيهم الإثم.

وقرأ الحسن: (من الذين استحق عليهم الأولان).

قوله تعالى: ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ أي يميننا من يمينهما، ونظيره

فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله

[النور: 6] أراد الأيمان.

فلما نزلت هذه الآية حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة، فحلفا فدفعا المتاع إلى أولياء الميت. قال ابن عباس: (فذكرت هذه الآية لتميم بعد ما أسلم فقال: صدق الله وبلغ رسوله، أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله وأستغفره).

وإنما نقلت اليمين إلى الأولياء؛ لأن الوصيين صح عليهما الإناء، ثم ادعيا أنهما ابتاعاه، وكذلك إذا ادعى رجل على رجل مالا، فأقر المدعى عليه بذلك، وادعى أنه قضاه، فالقول قول صاحب المال مع يمينه، وكذلك إذا ادعى سلعة في يد رجل فاعترف بذلك، ثم ادعى أنه اشتراها من المدعي أو وهبه منه المدعي.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (عن تميم الداري قال: بعنا الإناء بألف درهم، فاقتسمناه أنا وعدي، فلما أسلمت تأثمت من ذلك بعدما حلفت كاذبا، فأتيت أولياء الميت فأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به إلى النبي فسألهم البينة، فلم يكن لهم بينة، فأمر الأولياء أن يحلفوا، فحلفوا، فأخذت الخمسمائة من عدي ورددت أنا الخمسمائة).

فلذلك قوله تعالى: ﴿ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ ﴾؛ أي ذلك لكم أقرب إلى أن تقوم شهود الوصية على وجهها، ﴿ أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾؛ وأقرب إلا أن يخافوا أن ترد عليهم أيمانهم بعد أيمان المسلمين، ويقال: أن يرد الأيمان إلى المدعين المسلمين بعد أيمان المدعى عليهم الكفار.

قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله ﴾؛ أي اخشوه أن تحلفوا أيمانا كاذبة أو تخونوا أمانة، ﴿ واسمعوا ﴾؛ أي أقبلوا الموعظة، ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾؛ أي لا يصلح أمر الخائنين عن طاعة الله.

روي عن مجاهد أنه أخذ بظاهر الآية وقال: (إذا مات المؤمن في السفر، ولا يحضره إلا كافر، إن أشهدهما على ذلك، فإن رضي ورثته بذلك، وإلا حلف الشاهدان أنهما صادقان، فإن ظهرا أنهما خانا، حلف اثنان من الورثة، وأبطلت أيمان الشاهدين). وعن هذا قال شريح: (لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني على المسلم إلا في السفر، ولا يجوز في السفر إلا على الوصية).

التفسير الكبير · الصفحة ٥٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٥٤٠