تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والنعم في اللغة: من الإبل والبقر والغنم، فإذا انفردت الإبل قيل: إنها نعم، وإذا انفردت البقر والغنم لم تسم نعما.

واختلف أهل العلم في كيفية الجزاء، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: (ينظر الحكمان العدلان من أهل المعرفة إلى الصيد المقتول، فيقومانه حيا في ذلك المكان وذلك الزمان، فإذا عرفت القيمة خير القاتل، فإن شاء اشترى بتلك القيمة هديا من النعم فذبحه في الحرم، وإن شاء اشترى بها طعاما فأطعمه مساكين الحرم وغيرهم؛ كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاع من تمر أو شعير كما في الكفارات. وإن شاء صام مكان كل صاع من بر نصف يوم، وإن لم يبلغ قيمة الصيد إطعام مسكين، صام يوما كاملا إذا اختار الصوم؛ لأن الصوم مما لا تبعيض فيه).

وقال محمد والشافعي: (إن كان للصيد المقتول مثل من النعم من جهة الخلقة، كان على القاتل النظير في الخلقة؛ فيجب عليه في النعامة بدنة؛ وفي بقر الوحش بقرة؛ وفي الظبي شاة؛ وفي الغزال عنز؛ وفي الأرنب عناق؛ وفي اليربوع جفرة. وإن لم يكن للصيد مثل من جهة الخلقة، كان عليه قيمته). وعن محمد الخيار في هذا إلى الحكمين دون التعيين، وهو قول مالك.

قوله تعالى: ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ أي يحكم بالجزاء فقيهان عدلان ينظران إلى أشبه الأشياء به، فيحكمان به.

وروي عن قبيصة بن جابر قال: (خرجنا حجاجا، وكنا إذا صلينا الغداة أوقدنا نارا، وأحلنا بشيء ونتحدث، فبينما نحن ذات يوم إذ سنح لنا ظبي، فابتدرته ورميته بحجر فأصبت حشاه، فوكب درعه فمات، فلما قدمنا مكة سألنا عمر رضي الله عنه وكان حاجا، وكان عبدالرحمن بن عوف جالسا عنده، فسألته عن ذلك فقال لعبدالرحمن: ما ترى؟ قال: عليه شاة، قال: وأنا أرى ذلك، قال: فاذهب فاهد شاة.

قال: فخرجت إلى صاحبي فقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره، قال: فلم يفجأنا إلا عمر ومعه الدرة، فعلاني بالدرة، قال: أتقتل في الحرم وتغمض الفتوى؟! قال الله تعالى: ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ فأنا عمر، وهذا عبدالرحمن).

قوله تعالى: ﴿ أو كفارة طعام مساكين ﴾؛ فيه قراءتان؛ أحدهما: الرفع والتنوين في (كفارة)، والرفع في (طعام) من غير تنوين. والأخرى: الرفع في (كفارة) بغير تنوين، والخفض في (طعام) على الإضافة.

قوله تعالى: ﴿ أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره ﴾؛ أي ليذوق عقوبة صنعه. والوبال: تقبل الشيء في المكروه، مأخوذ من الوبيل، يقال: طعام وبيل؛ وماء وبيل؛ إذا كانا ثقيلين، قال الله تعالى:

فأخذناه أخذا وبيلا

[المزمل: 16] أي ثقيلا شديدا.

قوله تعالى: ﴿ عفا الله عما سلف ﴾؛ أي تجاوز الله عما مضى من قتل الصيد قبل التحريم. قوله تعالى: ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾؛ أي من عاد إلى قتل الصيد بعد العلم بالتحريم متعمدا لقتله يعذبه الله في الآخرة ويعاقبه على فعله. وأصل الانتقام: الانتصار والانتصاف، وإذا أضيف إلى الله تعالى أريد به المعاقبة والمجازاة. قوله تعالى: ﴿ والله عزيز ذو انتقام ﴾؛ أي منيع بالنقمة ينتقم ممن عصاه.

التفسير الكبير · الصفحة ٥٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٥٣٣