تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.183-187

قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام ﴾ يعني فرض عليكم صيام رمضان ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ أي فرض على الذين من قبلكم من أهل الملل كلها. ﴿ لعلكم تتقون ﴾ الأكل والشرب والجماع بعد صلاة العشاء الآخرة وبعد النوم. ويقال: كما كتب في الذين من قبلكم في الفرض. ويقال: كما كتب على الذين من قبلكم في العدد ﴿ أياما معدودت ﴾ أي معلومات وإنما صارت الأيام نصبا لنزع الخافض ومعناه في أيام معدودات. وقال مقاتل: كل شيء في القرآن معدودة أو معدودات فهو دون الأربعين وما زاد على ذلك لا يقال معدودة. ثم قال تعالى: ﴿ فمن كان منكم مريضا ﴾ فلم يقدر على الصوم ﴿ أو على سفر ﴾ فلم يصم ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ أي فعليه أن يقضيها بعد مضي الشهر مثل عدد الأيام التي فاتته ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ أي يطيقون الصوم ﴿ فدية طعام مسكين ﴾ أي يدفع لكل مسكين مقدار نصف صاع من حنطة ويفطر ذلك اليوم ﴿ فمن تطوع خيرا ﴾ أي تصدق على مسكينين مكان كل يوم أفطره ﴿ فهو خير له ﴾ من أن يطعم مسكينا واحدا والصيام خير له من الإفطار وهو قوله: ﴿ وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ من أن تفطروا وتطعموا قال الكلبي: كان هذا في أول الإسلام ثم نسخت هذه الآية بالآية التي بعدها. وهكذا قال القتبي، وهكذا روي عن سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفدي فعل حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها وهو قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ وقال الشعبي: لما نزلت هذه الآية: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ كان الأغنياء يطعمون ويفطرون ويفتدون ولا يصومون فصار الصوم على الفقراء فنسختها هذه الآية ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ فوجب الصوم على الغني والفقير وقال بعضهم: ليست بمنسوخة وإنما [نزلت في الشيخ الكبير. وروي عن عائشة أنها كانت تقرأ: (وعلى الذين يطوقونه) يعني يكلفونه فلا يطيقونه. وروي عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: ليست بمنسوخة وإنما هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة اللذين] لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان كل يوم مسكينا. قرأ نافع وابن عامر (فدية طعام مسكين) بضم الهاء وكسر الميم بالألف على الإضافة وقرأ الباقون بتنوين الهاء (فدية طعام) بضم الميم (مسكين) بغير ألف. قوله تعالى: ﴿ شهر رمضان ﴾ قرأ عاصم في رواية حفص: (شهر) بفتح الراء والباقون: بالضم. وإنما صار رفعا لمعنيين: أحدهما أنه مفعول ما لم يسم فاعله يقول: كتب عليكم شهر رمضان ومعنى آخر: أنه خبر مبتدأ يعني هذا شهر رمضان.

ومن قرأ بالنصب احتمل أنه صار نصبا لوقوع الفعل عليه أي صوموا شهر رمضان ويقال: صار نصبا لنزع الخافض أي: في شهر رمضان. ويحتمل: عليكم شهر رمضان. كقوله:

صبغة الله

[البقرة: 138] يعني الزموا. قوله: ﴿ الذي أنزل فيه القرآن ﴾ قرأ ابن كثير (القرآن) بالتخفيف وقرأ الباقون: بالهمز. وقال ابن عباس في معنى قوله: ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ يعني أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في السماء الدنيا ثم أنزل به جبريل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نجوما نجوما أي الآية والآيتين في أوقات مختلفة أنزل عليه في إحدى وعشرين سنة. وقال مقاتل: أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ كل عام في ليلة القدر إلى سماء الدنيا نزل إلى السفرة من اللوح المحفوظ في عشرين شهرا ونزل به جبريل في عشرين سنة. حدثنا محمد بن الفضل قال حدثنا فارس بن مردويه حدثنا محمد بن الفضيل العابد حدثنا الفضل بن دكين عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة قال: أنزلت التوراة في ثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان والإنجيل في ثمانية عشرة ليلة والقرآن في أربعة وعشرين ليلة. قال الفقيه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم القطان قال: حدثنا محمد بن صالح الترمذي قال: حدثنا سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن ابن جريح قال: قال ابن عباس في قوله ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ قال: أنزل القرآن: جملة واحدة على جبريل في ليلة القدر. قال ابن جريج: كان ينزل من القرآن في ليلة القدر كل شيء ينزل في تلك السنة فينزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا ولا ينزل جبريل من ذلك على محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا كلما أمر به تعالى. قوله عز وجل ﴿ هدى للناس ﴾ أي القرآن هدى للناس من الضلالة وبيانا لهم ﴿ وبينت من الهدى ﴾ يعني بيان الحلال والحرام ﴿ والفرقان ﴾ أي المخرج من الشبهات ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ أي من كان منكم شاهدا ولم يكن مريضا ولا مسافرا فليصم الشهر. ﴿ ومن كان مريضا أو على سفر ﴾ فأفطر ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ يقضيه بعد ذلك. روي عن عبد الله بن عمر: أنه كان يكره قضاء رمضان متفرقا. وعن علي بن أبي طالب مثله. وقال معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وجماعة من الصحابة: أحص العدد وصم كيف شئت. واختلفوا في حد المريض الذي يجوز له الإفطار: قال بعضهم: إذا كان بحال يخاف على نفسه التلف. وقال بعضهم: إذا استحق اسم المريض جاز له [أن يفطر] وقال بعضهم: إذا كان بحال يخاف أن يزيد الصوم في مرضه جاز له أن يفطر.

بحر العلوم · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٩٨