تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما بلغ المكان قرأ الكتاب فاسترجع ثم قال: [السمع والطاعة] لله ولرسوله فرجع رجلان ومضى بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب فقال المشركون: قتلهم محمد في الشهر الحرام فأنزل الله تعالى الآية: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام... ﴾ إلى آخر الآية فقال المشركون: إن لم يكن عليهم وزر فليس لهم أجر.

2.218

فنزل: ﴿ إن الذين ءامنوا والذين هاجروا ﴾ من مكة ﴿ وجهدوا في سبيل الله ﴾ أي في طاعة الله بقتل ابن الحضرمي ﴿ أولئك يرجون رحمة الله ﴾ أي ينالون جنة الله ﴿ والله غفور رحيم ﴾ بقتالهم في الشهر الحرام ثم نسخ تحريم القتال في الشهر الحرام وصار مباحا بقوله تعالى:

فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كآفة

[التوبة: 36]؛ فنهاهم الله عن ظلم أنفسهم بالسيئات والخطايا وأمرهم بالقتال عاما وروى أبو يوسف عن الكلبي أن القتال في الشهر الحرام لا يجوز. وقال أبو جعفر الطحاوي: لا نعلم أن أهل العلم اختلفوا أن قتال المشركين في الشهر الحرام غير جائز. وروي عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن قتال الكفار في الشهر الحرام فقال: لا بأس به وكذلك قال سليمان بن يسار وغيره.

2.219-220

ثم قال تعالى: ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ قال بعض المفسرين: إن الله لم يدع شيئا من الكرامة والبر إلا وقد أعطى هذه الأمة ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب لهم الشرائع دفعة واحدة ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة فكذلك في تحريم الخمر كانوا مولعين على شربها فنزلت هذه الآية ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ أي عن شرب الخمر والميسر هو القمار ﴿ قل: فيهما إثم كبير ﴾ ﴿ ومنفع للناس ﴾ في تجارتهم ﴿ وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير ولم يتركها بعض الناس وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها ثم نزلت هذه الآية:

يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى

[النساء: 43] فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يمنعنا عن الصلاة وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزل قوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطن فاجتنبوه لعلكم تفلحون

[المائدة: 90] الآية فصارت حراما عليهم حتى كان بعضهم يقول: ما حرم علينا شيء أشد من الخمر. وقيل: إثم كبير في أخذها ومنافع في تركها. وروي أن الأعشى توجه إلى المدينة ليسلم فلقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له: أين تذهب؟ فأخبرهم أنه يريد محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: لا تصل إليه فإنه يأمرك بالصلاة فقال: إن خدمة الرب واجبة فقالوا له: إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء فقال إن اصطناع المعروف واجب فقيل له إنه ينهى عن الزنا فقال: إن الزنا فحش قبيح في العقل وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه فقيل له: إنه ينهى عن شرب الخمر قال: أما هذا فإني لا أصبر عنه فرجع. وقال: أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه فلم (يبلغ) إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسر عنقه فمات. وقال بعضهم في هذه الآية ما يدل على تحريمه لأنه سماها إثما وقد حرم الإثم في آية أخرى وهي قوله تعالى:

قل: إنما حرم ربي الفوحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي

[الأعراف: 33] وقال بعضهم أراد بالإثم الخمر بدليل قول الشاعر:

شربت الإثم حتى ضل عقلي

كذاك الإثم يذهب بالعقول

وروي عن جعفر الطيار أنه كان لا يشرب الخمر في الجاهلية وكان يقول: الناس [يطلبون] زيادة العقل فأنا لا أنقص عقلي. وأما الميسر فكانوا يشترون جزورا ويضربون سهامهم فمن خرج سهمه أولا يأخذ نصيبه من اللحم ولا يكون عليه من الثمن شيء ومن بقي سهمه آخرا فكان عليه ثمن الجزور كله [وليس] له من اللحم شيئا. وقال عطاء ومجاهد: الميسر القمار (كله) حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب.

بحر العلوم · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ١١٦