تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

105 - سورة الفيل

105.1-5

قوله تعالى: ﴿ ألم تر ﴾ يعني ألم تخبر بالقرآن، ويقال (ألم تر) يعني ألم يبلغك الخبر، ويقال اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به الإخبار، يعني اعلم واعتبر بصنيع ربك ﴿ كيف فعل ربك ﴾ يعني كيف عذب ربك ﴿ بأصحب الفيل ﴾ وكان بدء أصحاب الفيل ما ذكرناه في سورة البروج أن زرعة قتل المسلمين بالنار فهرب رجل منهم إلى ملك الحبشة وأخبره بذلك فبعث ملك الحبشة جيشا إلى أرض اليمن فأمر عليهم أرياطا ومعه في جنده أبرهة الأشرم فركب البحر بمن معه حتى أتوا ساحلا مما يلي أرض اليمن فدخلوها ومع أرياط سبعون ألفا من الحبشة وهزم جنود زرعة وألقى زرعة نفسه في الماء فهلك وأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه ذلك ثم نازعه في أمر الحبشة أبرهة وكان من أصحابه ممن وجهه معه النجاشي إلى اليمن وخالفه أبرهة وتفرق الجند في أرض اليمن وصار إلى كل واحد منهما طائفة منهم ثم خرجوا للقتال فلما تقارب الناس ودنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط أن لا تصنع شيئا بأن تلقي الحبشة بعضها في بعض حتى تفنيها فأبرز لي وأبرز لك فأينا أصاب صاحبه انصرف إلى جنده فأرسل إليه أرياط أن قد أنصفت فاخرج فخرج إليه أبرهة وكان رجلا قصيرا وخرج إليه أرياط وكان رجلا طويلا عظيما في يده حربة وخلف أبرهة عبدا يقال له عنودة وروي عن بعضهم عيودة بالياء فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع أرياط الحربة فضرب بها على رأس أبرهة يريد يافوخة فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فخدشت حاجبيه وعينه وأنفه وشفتيه فلذلك سمي أبرهة الأشرم. وحمل عيودة على أرياط من خلف أبرهة فقتل أرياط وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن وكل ما صنع أبرهة من غير علم النجاشي ملك الحبشة فلما بلغه ذلك غضب غضبا شديدا وقال عدا على أميري فقتله بغير أمري ثم حلف أن لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته، فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه وملأ جرابا من تراب أرض اليمن ثم بعث إلى النجاشي وكتب إليه أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك واختلفنا في أمرك وكل طاعة لك إلا أني قد كنت أقوى على أمر الجيش منه وأضبط له، وقد حلقت رأسي حين بلغني قسم الملك وبعثت إليه بجراب من تراب أرضي ليضعه تحت قدميه فيبر قسمه فلما وصل كتاب أبرهة إلى النجاشي رضي عنه وكتب إليه أن أثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري وقال أبرهة لعتودة حين قتل أرياط حكمك يعني أحكم علي بما شئت فقال حكمي أن لا تدخل عروس من نساء أهل اليمن على زوجها حتى أصيبها قبله، قال ذلك لك فأقام أبرهة باليمن وغلامه عنودة يصنع باليمن ما كان أعطاه في حكمه ثم عدل عليه رجل من حمير أو من خثعم فقتله فلما بلغ أبرهة قتله وكان أبرهة رجلا حليما ودعا في دينه من النصرانية فقال قد آن لكم يا أهل اليمن أن يكون منكم رجل حازم يأنف مما يأنف منه الرجال إني والله لو علمت حين حكمته أنه يسأل من الذي سأل ما حكمته وأيم الله لا يؤخذ منكم فيه عقل ولا قود.

ثم أن أبرهة بنى بصنعاء كنيسة لم ير مثلها في زمانه في أرض الروم ولا في أرض الشام ثم كتب إلى النجاشي الأكبر ملك الحبشة أني قد بنيت لك كنيسة لم يكن مثلها لملك كان قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب فلما علمت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي خرج رجل من بني كنانة من الحمس حتى قدم اليمن فدخل الكنيسة فنظر فيها ثم خرى فيها فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة فيها فقال: من اجترأ علي بهذا؟ فقال له أصحابه: أيها الملك رجل من أهل ذلك البيت الذي يحجه العرب فقال أعلي اجترأ بهذا؟ ثم قال بالنصرانية لأهدمن ذلك البيت ولأخربنه حتى لا يحجه حاج أبدا، فدعا بالفيل وأذن قومه بالخروج، وروي في رواية أخرى أن فئة من قريش خرجوا إلى أرض النجاشي فأوقدوا نارا فلما رجعوا تركوا النار في يوم ريح عاصف حتى وقعت النار في الكنيسة فأحرقتها فعزم أبرهة وهو خليفة النجاشي أن يخرج إلى مكة فيهدم الكعبة وينقل أحجارها إلى اليمن فيبني هناك بيتا ليحج الناس إليه، وروي في رواية أخرى أن رجلا من أهل مكة خرج إلى اليمن فأخذ جزعة من القصب ذات ليلة وأضرم النار في الكنيسة فأحرقها ثم هرب فبناها أبرهة مرة أخرى فحلف بعيسى ابن مريم بأن يهدم الكعبة لكي يتحول الحج إلى كنيسته فتجهز فخرج معه حتى إذا كان في بعض طريقه بعث رجلا من بني سليم ليدعو الناس في حج بيته الذي بناه فتلقاه رجل من اليمن بني كنانة فقتله فازداد أبرهة بذلك غضبا وحث على المسير والانطلاق حتى إذا كان بأرض جعم فخرج إليه رجل من أشراف اليمن وملوكهم يقال له ذو يفن فدعا القوم وأحبابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وصده عن بيت الله فقاتله فهرب ذو يفن وأصحابه وأخذوا ذا يفن وأتى به أسيرا فلما أراد قتله قال أيها الملك لا تقتلني: فإنه عسى أن أكون معك خير لك من قتلي فتركه وحبسه عنده في وثاقه ثم مضى على وجهه ذلك حتى إذا كان بأرض خشعم عرض له " فقيل بن حبيب الخشعي " فقاتله فهزمه وأخذ أسيرا فلما أتي به وهم بقتله فقال أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب فتركه وخلى سبيله وخرج به معه يدله على أرض العرب حتى إذا مر بالطائف فخرج إليه مسعود بن مغيث التقى في رجال من ثقيف فقالوا أيها الملك إنما نحن عبيدك ليس عندنا لك خلاف وليس بيتنا هذا الذي تريد يعنون اللات والعزى وليست بالتي يحج إليه العرب وإنما ذلك بيت قريش الذي بمكة فنحن نبعث معك من يدلك عليه فتجاوز عنهم فبعثوا معه أبا رغال فخرج يهديهم الطريق حتى أنزلهم بالمغمس وهي على ستة أميال من مكة فمات أبو رغال هناك فرجمت العرب قبره فهو القبر الذي ترجمه الناس بالمغمس ثم أن قريشا لما علموا أن لا طاقة لهم بالقتال مع هؤلاء القوم لم يبق بمكة أحد إلا خرج إلى الشعاب والجبال ولم يبق أحد إلا عبد المطلب على سقايته وشيبه أقام على حجابة البيت فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادتي البيت ويقول لاهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك لا يغلبوا بصليبهم فامر ما بدا لك ثم إن أبرهة بعث رجلا من الحبشة على جمل له حتى انتهى إلى مكة وساق إلى أبرهة أموال قريش وغيرها فأصاب مائتي بعير لعبد المطلب وهو يومئذ كبير قريش وسيدها ثم بعثت ابرهة رجلا من أهل حمير إلى مكة وقال أرسل إلى سيد هذا البيت وشريفهم ثم قال له إن الملك يقول لك إني لم آت لاحرجكم وإنما جئت لأهدم هذا البيت فإن لم تتعرضوا إلى دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم.

بحر العلوم · الصفحة ١٢٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ١٢٩٥