تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.190-194

قوله تعالى ﴿ وقتلوا في سبيل الله الذين يقتلونكم ولا تعتدوا ﴾ وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة فنزل بالحديبية بقرب مكة والحديبية: اسم بئر فسمي ذلك الموضع باسم تلك البئر فصده المشركون عن البيت فأقام بالحديبية شهرا فصالحه المشركون على أن يرجع من عامه كما جاء على أن تخلى له مكة في العام المقبل ثلاثة أيام وصالحوه على أن لا يكون بينهم قتال إلى عشر سنين فرجع إلى المدينة وخرج في العام الثاني للقضاء فخاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقاتلهم المشركون وكرهوا القتال في الشهر الحرام فنزلت هذه الآية ﴿ وقتلوا في سبيل الله ﴾ أي في طاعة الله ﴿ الذين يقتلونكم ﴾ يعني في الحرم أو في الشهر الحرام ﴿ ولا تعتدوا ﴾ بأن تنقضوا العهد وتبدءوهم بالقتال في الشهر الحرام أو في الحرم ﴿ إن الله لا يحب المعتدين ﴾ يعني من يبدأ بالظلم. ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ أي حيث وجدتموهم في الحل والحرم، والشهر الحرام. فأمرهم الله تعالى: بقتل المشركين الذين ينقضون العهد وقوله ﴿ وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ﴾ من مكة ﴿ والفتنة ﴾ أي الشرك بالله ﴿ أشد ﴾ أي أعظم عند الله ﴿ من القتل ﴾ في الشهر الحرام. ﴿ ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ أي في الحرم ﴿ حتى يقتلوكم فيه ﴾ أي يبدؤكم بالقتال ﴿ فإن قتلوكم ﴾ أي بدأوكم بالقتال ﴿ فاقتلوهم كذلك جزاء الكفرين ﴾ أي هكذا جزاؤهم القتل في الحرم وغيره. قرأ حمزة والكسائي: (ولا تقتلوهم) بغير ألف (حتى يقتلوكم) (فإن قاتلوكم) وقرأ الباقون في هذه المواضع الثلاثة: بالألف. فمن قرأ بالألف فهو من المقاتلة ومن قرأ بغير ألف فمعناه لا تقتلوهم حتى يقتلوا منكم. ﴿ فإن انتهوا ﴾ عن قتالكم ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ أي إذا أسلموا وهذا كقوله:

قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف

[الأنفال: 38]. ﴿ وقتلوهم ﴾ يعني أهل مكة ﴿ حتى لا تكون فتنة ﴾ يعني الشرك بالله ﴿ ويكون الدين ﴾ كله ﴿ لله ﴾ يعني الإسلام ﴿ فإن انتهوا ﴾ عن قتالكم وتركوا الشرك ﴿ فلا عدون ﴾ يقول لا سبيل ولا حجة عليهم في القتل ﴿ إلا على الظلمين ﴾ الذين بدأوكم بالقتال. وقال القتبي: أصل العدوان الظلم يعني لا جزاء للظلم إلا على الظالمين فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حتى دخلوا مكة وطافوا بالبيت ونحروا الهدي وأقاموا بمكة ثلاثة أيام ثم انصرفوا فنزلت هذه الآية ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ يعني الشهر الحرام الذي دخلت فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم عنه العام الأول وهو ذو القعدة ﴿ والحرمت قصاص ﴾ (أي ما اقتصصت لكم في ذي القعدة كما صدوكم. ويقال: إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام والحرمات قصاص) يعني قتالكم يكون لقتالهم قصاصا فكما تركوا الحرمة فأنتم تتركون [أيضا] ذلك.

ويقال: إن سبب نزول هذه الآية أن المشركين سألوا المسلمين فقالوا: في أي شهر يحرم عليكم القتال؟ وأرادوا أن يقفوا على ذلك حتى يقاتلوهم في الشهر الذي حرم القتال على المؤمنين فنزل قوله: ﴿ ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه ﴾ أي في وقت قاتلكم المشركون حل لكم قتالهم. ثم قال تعالى ﴿ فمن اعتدى عليكم ﴾ أي قاتلكم في الشهر الحرام ﴿ فاعتدوا عليه ﴾ أي قاتلوهم فيه وإنما سمي الثاني اعتداء لأنه مجازاة الاعتداء فسمي بمثل اسمه وهذا كقوله عز وجل:

وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به

[النحل: 126]؛ ثم صارت هذه الآية حكما في جميع الجنايات إن من جنى على إنسان أو في ماله فله أن يجازيه بمثل ذلك بظاهر هذه الآية: ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ ثم قال ﴿ واتقوا الله ﴾ عن الاعتداء قبل أن يعتدوا عليكم ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ يعني يعين من اتقى الاعتداء

بحر العلوم · الصفحة ١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ١٠٢