2.38
قوله تعالى: ﴿ قلنا اهبطوا منها جميعا ﴾ يعني آدم وحواء وإبليس والحية. وفي الآية دليل على أن المعصية تزيل النعمة عن صاحبها، لأن آدم قد أخرج من الجنة بمعصيته. وهذا كما قال القائل:
إذا كنت في نعمة فارعها
فإن المعاصي تزيل النعم
وداوم عليها بشكر الإله
فإن الإله شديد النقم
وقال تعالى:
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
[الرعد: 11] الآية. وقوله تعالى: ﴿ فإما يأتينكم منى هدى ﴾ وأصله (فإن ما) ألا أن النون أدغمت في الميم، وإن لتأكيد الكلام، وما للصلة، ومعناه فإما يأتينكم مني هدى يعني البيان، وهو الكتاب والرسل. خاطب به آدم وعنى به ذريته. ﴿ فمن تبع هداي ﴾ يعني اتبع كتابي وأطاع رسلي ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ فيما يستقبلهم من العذاب، ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما خلفوا من أمر الدنيا.
2.39
﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ﴾ أي جحدوا رسلي وكذبوا كتابي ﴿ أولئك أصحب النار هم فيها خلدون ﴾ أي دائمون.
2.40-43
﴿ يا بني إسرائيل ﴾ يا أولاد يعقوب. وإنما سمي إسرائيل لأن (الإسرا) بلغتهم عبد، و (الايل) هو الله فكأنه قال: يا بني عبد الله. وقال بعضهم: إنما سمي إسرائيل لأنه أسره ملك يقال له (إيل) وذلك أنه كان في سفر مع أولاده، وكان يسير خلف القافلة، وكان له قوة فدخل في نفسه شيء من العجب، فابتلاه الله تعالى: أن جاءه ملك على هيئة اللص وأراد أن يضرب على القافلة، فأراد يعقوب أن يضربه على الأرض فلم يقدر على ذلك، فكانا في تلك المنازعة إلى طلوع الفجر، ثم إن الملك أخذ بعرق يعقوب أي عرق من عروقه فمده فسقط في ذلك الموضع ثلاثة أيام. وقال بعضهم: لأنه أسره جني يقال له (ايل) وروي عن السدي: أنه وقعت بينه وبين أخيه (عيصوا) عداوة فحلف (عيصوا) أن يقتله، فكان يعقوب يختفي بالنهار، ويخرج بالليل فسمي إسرائيل لسيره بالليل. وأصله من إسراء الليل بدليل قوله عز وجل
سبحان الذى أسرى بعبده ليلا
[الإسراء: 1] والله أعلم بالصواب. ويقال: إنما سمي بيعقوب لأنه ولد مع عيصوا في بطن واحد فخرج على عقب عيصوا فسمي لذلك بيعقوب. فقال الله تعالى ﴿ يا بنى إسرءيل ﴾ وإنما أراد بهم اليهود الذين كانوا حوالي المدينة من بني قريظة والنضير وغيرهم، وكانوا من أولاد يعقوب وقال تعالى: ﴿ اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم ﴾ يعني احفظوا منتي التي مننت عليكم في التيه من المن والسلوى، يعني اذكروا تلك النعم [التي أنعمت عليكم] واشكروا لي ﴿ وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أبي صالح: قد كان الله تعالى عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبيا أميا فمن تبعه وصدق به غفرت له ذنوبه، وأدخلته الجنة، وجعلت له أجرين أجرا باتباعه ما جاء به موسى، وأجرا باتباعه ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - [فلما جاءهم محمد - عليه الصلاة والسلام] وعرفوه كذبوه فذكرهم الله تعالى في هذه الآية فقال ﴿ وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم ﴾ قال الحسن البصري ﴿ أوفوا بعهدى ﴾ أدوا ما افترضت عليكم أوف بعهدكم مما وعدت لكم. وقال الضحاك: أوفوا بطاعتي أوف لكم بالجنة. وقال الصادق: أوفوا بعهدي في دار محنتي على بساط خدمتي في حفظ حرمتي أوف بعهدكم في دار نعمتي على بساط قربتي بسني رؤيتي. وقال قتادة: العهد ما ذكر في سورة المائدة في قوله:
ولقد أخذ الله ميثق بنى إسرءيل
[المائدة: 12] إلى قوله تعالى:
وءامنتم برسلى وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا
[المائدة: 12] [أوف بعهدكم] وهو قوله:
لأكفرن عنكم سيئتكم
[المائدة: 12] الآية. ويقال: ﴿ أوفوا بعهدى ﴾ الذي قبلتم يوم الميثاق ﴿ أوف بعهدكم ﴾ الذي قلت لكم، يعني به الجنة.
قوله تعالى: ﴿ وإيى فارهبون ﴾ يعني: فاخشون. وأصله فارهبوني بالياء لكن حذفت الياء وأقيم الكسر مقامها. ثم قال: ﴿ وءامنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ﴾ أي صدقوا بهذا القرآن الذي أنزلت على محمد - صلى الله عليه وسلم - مصدقا [أي موافقا] لما معكم، [من التوحيد] وفي بعض الشرائع [أنزلت] يعني التوراة والإنجيل ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾ يعني أول من يكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويقال: (به) يعني بالقرآن. وإنما يريد بني قريظة والنضير. فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾ وقد كفر به قبلهم مشركو العرب. قيل له: معناه ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾ في وقت هذا الخطاب. ويقال: إن أحبار اليهود كان لهم أتباع، فلو أسلموا أسلم أتباعهم [ولو كفروا كفر أتباعهم كلهم]، فهذا معنى قوله ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾ من قومكم. ﴿ ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا ﴾ أي بكتمان صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - عرضا يسيرا لأنهم كانوا عرفوا صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - وكانت لهم مأكلة ووظائف من سفلة اليهود، وكانت لهم رئاسة، فكانوا يخافون أن تذهب وظائفهم ورئاستهم. فقال: ﴿ ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا ﴾ أي عرض الدنيا وإنما سماه قليلا، لأن الدنيا كلها قليل. ثم خوفهم فقال: ﴿ وإيى فاتقون ﴾ في صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - فمن جحد به أدخلته النار. قوله تعالى: ﴿ ولا تلبسوا الحق بالبطل ﴾ يقال في اللغة: لبس يلبس لبسا إذا لبس الثياب. ومعناه لا تخلطوا الحق بالباطل، فتكتمون صفته، وذلك أنهم كانوا يخبرون عن بعض صفته، ويكتمون البعض ليصدقوا بذلك فيلبسون عليهم بذلك. وقال قتادة: ﴿ ولا تلبسوا ﴾ اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله، الذي لا يقبل غيره هو الإسلام. ويقال: معناه ولا تؤمنوا ببعض أمره وتكفروا ببعض أمره. ثم قال تعالى: ﴿ وتكتموا الحق ﴾ يقول: ولا تكتموا الحق ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ أنكم تكتمون الحق. ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أي أقيموا الصلوات الخمس بركوعها وسجودها في مواقيتها، ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ المفروضة ﴿ واركعوا مع الراكعين ﴾ أي صلوا مع المصلين، مع أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في الجماعات. ويقال: صلوا مع المصلين إلى الكعبة. وقال قتادة: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وهما فريضتان واجبتان ليس لأحد فيهما رخصة، فأدوهما إلى الله عز وجل.