2.275-281
﴿ الذين يأكلون الربا ﴾ يعني يأكلون الربا استحلالا ﴿ لا يقومون ﴾ يوم القيامة من قبورهم ﴿ إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطن ﴾ أي يتخبطه الشيطان ﴿ من المس ﴾ أي من الجنون. ويقال: أنهم يبعثون يوم القيامة وقد انتفخت بطونهم كالحباب وكلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم فيكون ذلك علامة آكل الربا. ويقال: يكون بمنزلة المجنون ﴿ ذلك بأنهم ﴾ يعني الذي نزل بهم لأنهم ﴿ قالوا إنما البيع مثل الربوا ﴾ معناه استحلوا الربا وكان الرجل إذا حل [أجل] ماله [طالبه] فيقول له المطلوب: زدني في الأجل وأزيدك في مالك فيفعلان ذلك. فإذا قيل لهما: أن هذا ربا قالا: الزيادة في أول البيع وعند حلول الأجل سواء. ويقال: أنهم استحلوا الربا وقالوا: الربا والبيع في الحل سواء فالله تعالى أبطل قولهم فقال تعالى ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جآءه موعظة ﴾ ولم يقل جاءته لأن التأنيث ليس بحقيقي ويجوز أن يذكر ويؤنث لأنه انصرف إلى المعنى يعني فمن جاءه نهي ﴿ من ربه ﴾ في القرآن في بيان تحريم الربا ﴿ فانتهى ﴾ عن أكل الربا ﴿ فله ما سلف ﴾ يعني ليس عليه إثم فيما مضى قبل النهي لأن الحجة لم تقم عليهم ولم يعلموا بحرمته وأما اليوم فمن تاب عن الربا فلا بد له من أن يرد الفضل ولا يكون له ما سلف لأن حرمة الربا ظاهرة بين المسلمين لأن كتاب الله تعالى فيهم ثم قال عز وجل: ﴿ وأمره إلى الله ﴾ في المستأنف إن شاء عصمه وإن شاء لم يعصمه ﴿ ومن عاد ﴾ إلى استحلال الربا ﴿ فأولئك أصحب النار هم فيها خلدون ﴾ قال ابن مسعود آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال عليه الصلاة والسلام:
" سيأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا ومن لم يأكل الربا أصابه من غباره "
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
" الربا بضع وسبعون بابا أدناها كإتيان الرجل أمه "
يعني كالزاني بأمه. ثم قال تعالى: ﴿ يمحق الله الربوا ﴾ أي يبطله ويذهب ببركته ﴿ ويربي الصدقت ﴾ يقول: يقبلها ويضاعفها ويقال: إن مال آكل الربا لا يخلو من أحد أوجه ثلاثة: إما أن يذهب عنه أم عن ولده أو ينفقه فيما لا يصلح. ﴿ والله لا يحب كل كفار ﴾ يعني جاحد بتحريم الربا ﴿ أثيم ﴾ يعني عاص بأكله. ﴿ إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ﴾ يعني الطاعات فيما بينهم وبين ربهم ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ يعني الصلوات الخمس ﴿ وءاتوا الزكوة ﴾ [يعني أعطوا الزكاة] المفروضة ﴿ لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ وقد ذكرناه ﴿ يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله ﴾ (أي أطيعوا الله) ولا تعصوه فيما نهاكم من أمر الربا ﴿ وذروا ما بقي من الربوا ﴾ ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ أي مصدقين بتحريمه وقال أهل اللغة إن الحقيقة على ثلاثة أوجه: إن بمعنى ما كقوله (إن الكافرون)
إن كانت إلا صيحة وحدة
[يس: 29] وإن بمعنى لقد كقوله
إن كان وعد ربنا لمفعولا
[الإسراء: 108]
وتالله إن كنا
[الشعراء: 97]
وتالله إن كدت لتردين
[الصافات: 56]
إن كنا عن عبادتكم لغفلين
[يونس: 29] وإن بمعنى إذ كقوله:
وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين
[آل عمران: 139] ﴿ وذروا ما بقى من الربوا ﴾ نزلت هذه الآية في نفر من بني ثقيف وفي بني المغيرة من قريش وكانت ثقيف يربون لبني المغيرة في الجاهلية وكانوا أربعة أخوة منهم مسعود وعبد ياليل وأخواهما يربون لبني المغيرة فلما ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أهل مكة وضع الربا كله وكان أهل الطائف قد صالحوا على أن لهم رباهم على الناس يأخذونه وما كان عليهم من ربا للناس فهو موضوع عنهم لا يؤخذ منهم وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب لهم كتابا وكتب في أسفله إن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم فلما حل الأجل طلب ثقيف رباهم فاختصموا إلى أمير مكة وهو عتاب بن أسيد فكتب بذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية ﴿ يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله ﴾ ولا تستحلوا الربا ﴿ وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين ﴾ يعني مصدقين بتحريم الربا. ثم خوفهم فقال تعالى: ﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ أي لم تقروا بتحريم الربا ولم تتركوه ﴿ فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾. قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر: فآذنوا بمد الألف وكسر الذال [وقرأ أبو عمرو وورش عن نافع (فأذنوا) بترك الهمزة ونصب الذال وقرأ الباقون: بجزم الألف ونصب الذال فمن قرأ (فاذنوا) بالجزم معناه فاعلموا (بحرب من الله) يعني بإهلاك من الله. ويقال معناه: فاعلموا بأنكم كفار بالله (ورسوله) ومن قرأ (فآذنوا) بالمد يقول: اعلموا بعضكم بعضا بحرب أي بإهلاك من الله تعالى ورسوله فقالوا: ما لنا بحرب من الله ورسوله طاقة فما توبتنا؟؟ فقال تعالى ﴿ فإن تبتم فلكم رءوس أمولكم ﴾ التي أسلفتم. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: