2.215
قوله تعالى: ﴿ يسألونك ماذا ينفقون ﴾ وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حثهم على الصدقة قال عمرو بن الجموح: يا رسول الله: كم ننفق وعلى من ننفق؟ فنزلت هذه الآية: ﴿ يسألونك ماذا ينفقون ﴾ أي ماذا يتصدقون من أموالهم. ﴿ قل ما أنفقتم من خير ﴾ أي من مال ﴿ فللولدين والأقربين واليتمى والمسكين وابن السبيل ﴾ يعني أنفقوا على الوالدين والقرابة وعلى جميع المساكين فهذا جواب لقولهم: على من ننفق؟ ونزل في جواب قولهم: ماذا ننفق؟ قوله تعالى:
قل العفو
[البقرة: 219] أي الفضل من المال ثم نسخ ذلك بآية الزكاة. وقال بعضهم: آية الزكاة نسخت كل صدقة كانت قبلها. وقال بعضهم: هذه الآية ليست بمنسوخة وإنما فيها بر الوالدين وصلة الأرحام. ثم قال تعالى: ﴿ وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ﴾. أي يجازيكم به.
2.216-217
﴿ كتب عليكم القتال ﴾ أي فرض عليكم القتال ﴿ وهو كره لكم ﴾ أي شاق عليكم وذلك أن الله تعالى لما أمرهم بالجهاد كرهوا الخروج وإنما كانت كراهيتهم له لأنه كان في الخروج عليهم مشقة لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. ثم قال ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئا ﴾ يعني الجهاد ﴿ وهو خير لكم ﴾ لأن فيه فتحا وغنيمة وشهادة وفيه إظهار الإسلام ﴿ وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ﴾ وهو الجلوس عن الجهاد لأنه يسلط عليكم عدوكم ﴿ والله يعلم ﴾ أن الجهاد خير لكم ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ [أن ذلك خير] حين أحببتم القعود عن الجهاد [ويقال: والله يعلم ما كان فيه صلاحكم وأنتم لا تعلمون ذلك قوله تعالى]: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عبد الله بن جحش مع تسعة رهط في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين إلى عير لقريش فلقوا العير وكان ذلك في آخر الشهر فأمر عبد الله بن جحش بعض أصحابه فحلق رأسه فلما رآهم المشركون آمنوا وظنوا أنه دخل رجب فقاتلهم المسلمون وأخذوا أموالهم فعيرهم المشركون بذلك فنزلت هذه الآية: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ قال الزجاج: معناه يسألونك عن القتال في الشهر الحرام. وقال القتبي يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل يجوز؟ فأبدل قتالا من الشهر الحرام ﴿ قل قتال فيه كبير ﴾ أي عظيم عند الله وتم الكلام ثم قال: ﴿ وصد عن سبيل الله ﴾ يقول منع الناس عن الكعبة أن يطاف بها ﴿ وكفر به ﴾ أي بالله تعالى ويقال: ﴿ وكفر به ﴾ أي بالحج قوله ﴿ والمسجد الحرام ﴾ وإنما صار خفضا لأنه عطف على سبيل الله كأنه قال: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام وكفر بالله تعالى ﴿ وإخراج أهله منه ﴾ أي من المسجد ﴿ أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ﴾ أي أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام ﴿ والفتنة ﴾ يعني الشرك ﴿ أكبر من القتل ﴾ أعظم عقوبة من القتل في الشهر الحرام ثم قال ﴿ ولا يزالون يقتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ﴾ الإسلام إلى دينهم الكفر ﴿ إن استطاعوا ﴾ يعني إن قدروا على ذلك ولكنهم لا يقدرون عليه ثم هدد المسلمين ليثبتوا على دينهم الإسلام فقال تعالى: ﴿ ومن يرتدد منكم عن دينه ﴾ الإسلام ﴿ فيمت وهو كافر ﴾ بالله تعالى ﴿ فأولئك حبطت أعملهم ﴾ أي بطلت حسناتهم ﴿ في الدنيا والآخرة ﴾ يعني لا يكون لأعمالهم التي عملوا ثواب كما قال في آية أخرى:
فجعلناه هبآء منثورا
[الفرقان: 23] وقال تعالى
فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا
[الكهف: 105] ﴿ وأولئك أصحب النار هم فيها خلدون ﴾ أي دائمون. قال الفقيه: حدثنا أبو إبراهيم محمد بن سعيد قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا إبراهيم بن داود قال: حدثنا المقدمي عن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: حدثنا الحضرمي عن أبي السوار عن جندب بن عبد الله:
" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث رهطا وبعث عبد الله بن جحش وكتب له كتابا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا وقال: " لا تكره أحدا من أصحابك على المسير "