وروى أسباط عن السدي في قوله إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا إذا بعث إليه تعالى نبيا جعل معه حفظة من الملائكة فإذا جاء الوحي من الله تعالى قالت الملائكة هذا من الله فإذا جاءه الشيطان قالت الحفظة هذا من الشيطان ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم يعني ليعلم الجن أن الرسل قد أبلغوا الرسالة لأنهم تمازحوا من استراق السمع وقال سعيد بن جبير لم يجيء جبريل قط بالقرآن إلا ومعه أربعة من الحفظة ثم قال عز وجل ﴿ وأحاط بما لديهم ﴾ يعني الله تعالى عالم بما عند الأنبياء ويقال عالم بهم ﴿ وأحصى كل شىء عددا ﴾ يعني عدد الملائكة وعلم نزول العذاب ووقته وغير ذلك والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
73 - سورة المزمل
73.1-8
قوله تعالى ﴿ يأيها المزمل ﴾ يعني الملتف في ثيابه وأصله في اللغة المتزمل وهو الذي يتزمل في الثياب وكل من التف بثوبه فهو متزمل وقد تزمل فأدغمت التاء في الزاء وشددت الزاء فقيل مزمل يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ﴿ قم اليل ﴾ يعني قم الليل للصلاة ﴿ إلا قليلا ﴾ من الليل ﴿ نصفه ﴾ يعني قم نصفه فاكتفى بذكر الفعل الأول من الثاني لأنه دليل عليه ﴿ أو انقص منه قليلا ﴾ يعني أو انقص من النصف قليلا ﴿ أو زد عليه ﴾ يعني زد على النصف يعني ما بين الثلث إلى الثلثين ثم قال ﴿ ورتل القرءان ترتيلا ﴾ يعني توسل فيه وقال الحسن بينه إذا قرأته فلما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين فنزلت الرخصة في آخر السورة، وقال مقاتل هذا قبل أن يفرض الصلوات الخمس، وقال الضحاك (ورتل القرآن ترتيلا) قال اقرأه حرفا حرفا وقال مجاهد أحب الناس إلى الله تعالى في القراءة أعقلهم عنه قوله تعالى ﴿ إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا ﴾ يعني سننزل عليك القرآن بالأمر والنهي يعني يثقل لما فيه من الأمر والنهي والحدود وكان هذا في أول الأمر ثم سهل الله تعالى الأمر في قيام الليل، وقال قتادة في قوله (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) قال يثقل الله فرائضه وحدوده. ويقال يعني قيام الليل ثقيل على المجرمين، ويقال ثقيل على من خالفه، ويقال ثقيل في الميزان خفيف على اللسان، ويقال نزوله ثقيل كما قال
لو أنزلنا هذا القرءان على جبل
[الحشر:21] الآية وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت حرائها وما تستطيع أن تتحرك حتى يسري عنه أي يذهب عنه ثم قال ﴿ إن ناشئة اليل هى أشد وطأ ﴾ يعني ساعات الليل أشد موافقة للقراءة وأسمع، ويقال هي أشد نشاطا من النهار إذا كان الرجل محتسبا، ويقال هي أوفى لقلوبهم ﴿ وأقوم قيلا ﴾ وأبين وأصوب وأثبت قراءة، وقال القتبي ناشئة الليل يعني ساعاته وهي مأخوذة من نشأت أي ابتداء شيئا بعد شيء فكأنه قال إن ساعات الليل الناشئة فاكتفى بالوصف من الاسم قوله تعالى أشد وطئا يعني أثقل على المصلي من ساعات النهار فأخبر أن الثواب على قدر الشدة وأقوم قيلا يعني أخلص للقول وأسمع له لأن الليل تهدأ فيه الأصوات وتنقطع فيه الحركات قرأ أبو عمرو وابن عامر أشد وطأ بكسر الواو ومد الألف والباقون بنصب الواو بغير مد فمن قرأ بالكسر يعني أشد وطأ أي موافقة لقلة السمع يعني أن القرآن في الليل يتواطأ فيه قلب المصلي ولسانه وسمعه على التفهم يعني أبلغ في القيام وأبين في القول ويقال أغلظ على اللسان. قوله تعالى ﴿ إن لك فى النهار سبحا طويلا ﴾ يعني فراغا طويلا بقضاء حوائجك فيه ففرغ نفسك لصلاة الليل، وقال القتبي سبحا أي تصرفا إقبالا وإدبارا بحوائجك وأشغالك قوله عز وجل ﴿ واذكر اسم ربك ﴾ يعني اذكر توحيد ربك ويقال فاذكر ربك. ويقال صل لربك ﴿ وتبتل إليه تبتيلا ﴾ يعني أخلص إليه إخلاصا في دعائك بعبادتك وهو قول مجاهد وقتادة ويقال وتبتل إليه تبتيلا يعني انقطع إليه وأصل التبتل القطع قيل لمريم العذراء البتول لأنها انقطعت إلى الله تعالى في العبادة.