2.246-252
وقوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الملإ من بني إسراءيل من بعد موسى ﴾ يعني الرؤساء والقادة. وقال بعضهم: اشتقاق الملأ في اللغة من الملأ وهم الجماعة التي تملأ باديتهم. وقال بعضهم: الناظر إذا نظر إليهم امتلأ عينه هيبة منهم وذلك أن كفار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم فقتلوهم. وسبوهم وأخرجوهم من ديارهم وكان رئيسهم جالوت فلما اضطر المسلمون في ذلك جاؤوا إلى نبي لهم يقال له: أشمويل بن هلقانا - عليه السلام - بلغة العبرانية وبالعربية إسماعيل بن هلقان ﴿ إذ قالوا لنبي لهم ﴾ يعني أشمويل ﴿ ابعث لنا ملكا ﴾ يعني ادع لنا الله تعالى أن يجعل لنا ملكا يعني رجلا ينتظم به أمرنا ﴿ نقتل في سبيل الله ﴾ ف ﴿ قال ﴾ لهم أشمويل ﴿ هل عسيتم ﴾ قرأ نافع: (هل عسيتم) بكسر السين وقرأ الباقون: بالنصب وهي اللغة المعروفة والأول لغة لبعض العرب: ﴿ هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقتلوا ﴾ يعني إذا بعث الله لكم ملكا وفرض عليكم القتال لعلكم لا تقاتلون وتجبنون عن القتال ﴿ قالوا: وما لنا ألا نقتل في سبيل الله ﴾ يقول كيف لا نقاتل في سبيل الله ﴿ وقد أخرجنا من ديرنا وأبنائنا ﴾ يعني أخذوا ديارنا وسبوا أبنائنا ﴿ فلما كتب عليهم القتال ﴾ أي فرض عليهم القتال ﴿ تولوا ﴾ وتركوا القتال ولم يثبتوا ﴿ إلا قليلا منهم ﴾ وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ﴿ والله عليم بالظلمين ﴾ [يعني أن الله تعالى يعلم جزاء من تولى عن القتال] ثم بين لهم القصة بقوله: ﴿ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ﴾ يعني قال: أجابكم ربكم إلى ما سألتم من بعث ملك تقاتلون في سبيل الله معه وقد جعل لكم طالوت ملكا وكان طالوت فيهم حقير الشأن وكانت النبوة في بني لاوي بن يعقوب والملك في سبط يهوذا ولم يكن طالوت من أهل بيت النبوة ولا من أهل بيت الملك. ويقال: كان رجلا يبيع الخمر ويقال: كان بقارا. ويقال: كان دباغا ولكنه كان عالما فرفعه الله بعلمه ﴿ قالوا: أنى يكون له الملك علينا ﴾ يعني المسلمون قالوا لنبيهم: من أين يكون له الملك ﴿ علينا ونحن أحق بالملك منه ﴾ لأن منا الملوك ﴿ ولم يؤت ﴾ طالوت ﴿ سعة من المال ﴾ [ينفق علينا] والملك يحتاج إلى (مال) ينفق على جنوده وأعوانه ﴿ قال ﴾ لهم نبيهم - عليه السلام -: ﴿ إن الله اصطفه عليكم ﴾ يعني اختاره عليكم ﴿ وزاده بسطة ﴾ أي فضيلة ﴿ في العلم والجسم ﴾ وكان رجلا جسيما وكان عالما. [ويقال: كان عالما] بأمر الحرب. ﴿ والله يؤتى ملكه من يشاء والله وسع عليم ﴾ والواسع في اللغة: هو الغني. ويقال: واسع بعطية الملك عالم لمن يعطيه. ويقال: واسع يعني باسط الرزق عليم بمن يصلح له الملك.
فظنوا أنه يقول لهم من ذات نفسه وقالوا له إن كان الله تعالى أمرك بذلك فأتنا بآية قال الله تعالى: ﴿ وقال لهم نبيهم: إن ءاية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ وذلك أن الكفار كانوا أخذوا التابوت وكان التابوت للمسلمين فإذا خرجوا للغزو والتابوت معهم كانوا يرجون الظفر فأخذ الكفار التابوت ووضعوه في [مزبلة أي في] مخرأة لهم فابتلاهم الله تعالى بالباسور. ويقال إن أصل الباسور من ذلك الوقت وأصل الجذام من وقت أيوب - عليه السلام - وتغير الطعام من قبل بني إسرائيل. فجعل الله تعالى آية ملك طالوت رد التابوت إليهم فذلك قوله تعالى: ﴿ إن ءاية ملكه ﴾ [يعني علامة ملكه] ﴿ أن يأتيكم التابوت ﴾ ﴿ فيه سكينة من ربكم ﴾. قال الكلبي: سكينة أي: طمأنينة إذا كان التابوت في مكان اطمأنت قلوبهم [بالظفر]. وقال مقاتل: السكينة كانت دابة ورأسها كرأس الهرة ولها جناحان فإذا صوتت عرفوا أن النصر لهم. ويقال: كانت جوهرا أحمر يسمع منه الصوت. ويقال: كانت ريحا تهب فيها لها صوت يعرفون أن النصرة لهم عند الصوت قوله تعالى: ﴿ وبقية مما ترك ءال موسى وءال هرون ﴾ يعني الرضاض من الألواح وقفيز من من في طست من ذهب وعصا موسى وعمامة هارون قال الكلبي: وكان التابوت من [عود الشمشار] الذي يتخذ منه الأمشاط فلما ابتلاهم الله تعالى بالباسور عرفوا أن ذلك من التابوت فقالوا: لعل اله بني إسرائيل الذي فينا يعنون التابوت هو الذي يفعل بنا هذا الفعل فأخرجوا بقرتين من المدينة وتركوا أولادها في المدينة وربطوا التابوت على عجلة ثم ربطوا العجلة بالبقرتين ثم وجهوهما نحو بني إسرائيل فضربت الملائكة جنوبهما وساقوهما حتى هجموا بهما على أرض بني إسرائيل فأصبحوا والتابوت بين أظهرهم. وذلك قوله تعالى: ﴿ تحمله الملئكة ﴾ يعني الملائكة ساقوا العجلة. ﴿ إن في ذلك لآية لكم ﴾ يعني إن في رد التابوت علامة لملك طالوت ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ أي مصدقين بأن ملكه من الله تعالى فعرفوا وأطاعوه. قوله تعالى: ﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ يعني فتجهز طالوت وخرج بالجنود وهم سبعون ألفا فصاروا في حر شديد فأصابهم عطش شديد فسألوا طالوت الماء. ف ﴿ قال ﴾ لهم طالوت ﴿ إن الله مبتليكم بنهر ﴾ وهو بين الأردن، وفلسطين وإنما كان الابتلاء ليظهر عند طالوت من كان مخلصا في نيته من غيره وأراد أن يميز عنهم من لا يريد القتال لأن من لا يريد القتال إذا خالط العسكر يدخل الضعف والوهن في العسكر لأنه إذا انهزم وهرب ضعف الباقون. ويقال: إن أشمويل هو الذي أخبر طالوت بالوحي حتى أخبر طالوت قومه حيث قال: ﴿ إن الله مبتليكم بنهر ﴾ ﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ يعني ليس معي على عدوي إذا شرب بغير غرفة ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني ﴾ يعني لم يشرب منه [يعني] غرفة ﴿ فإنه مني ﴾ أي معي على عدوي ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ قرأ نافع [وابن كثير] وأبو عمرو: (غرفة) بنصب الغين وقرأ الباقون برفع الغين فمن قرأ بالنصب يكون مصدر غرفة أي مرة واحدة باليد.