تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.285-286

﴿ آمن الرسول بمآ أنزل إليه ﴾ روي عن الحسن وعن مجاهد: أن هذه الآية نزلت في قصة المعراج وهكذا روي في بعض الروايات عن عبد الله بن عباس. وقال بعضهم: جميع القرآن نزل به جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا هذه الآية فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمعها ليلة المعراج. وقال بعضهم: لم يكن ذلك في قصة المعراج لأن ليلة المعراج كانت بمكة وهذه السورة كلها مدنية فأما من قال: إنها كانت في ليلة المعراج قال: لما صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبلغ فوق السموات في مكان مرتفع ومعه جبريل حتى جاوز سدرة المنتهى فقال له جبريل: إني لم أجاوز هذا الموضع ولم يؤمر أحد بالمجاوزة عن هذا الموضع غيرك فجاوز النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ الموضع الذي شاء الله فأشار إليه جبريل بأن يسلم على ربه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

" التحيات لله والصلوات الطيبات "

فقال الله تعالى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون لأمته حظ في السلام فقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقال جبريل وأهل السموات كلهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال الله تعالى على معنى الشكر (آمن الرسول) أي: صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - بما أنزل إليه (من ربه) فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يشارك أمته في الفضيلة فقال: ﴿ والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ﴾ يعني يقولون آمنا بجميع الرسل ولا نكفر بواحد منهم ولا نفرق بينهم كما فرقت اليهود والنصارى فقال له ربه عز وجل كيف قبولهم للآي التي أنزلتها؟ وهي قوله:

وإن تبدوا ما في أنفسكم

[البقرة: 284] فقال: رسول الله: ﴿ وقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا ﴾ أي أطعنا مغفرتك يا ربنا ﴿ وإليك المصير ﴾ أي: المرجع. قال الله تعالى عند ذلك: ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾ أي طاقتها ويقال: إلا دون طاقتها ويقال: لا يكلف الصلاة قائما لمن لا يقدر عليها ﴿ لها ما كسبت ﴾ من الخير ﴿ وعليها ما اكتسبت ﴾ من الشر

" فقال له جبريل عند ذلك: سل تعط فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا ﴾ "

يعني: إن جهلنا ﴿ أو أخطأنا ﴾ يعني إن تعمدنا، ويقال: إن عملنا بالنسيان أو أخطأنا، يعني عملنا بالخطأ. فقال له جبريل: قد أعطيت ذلك قد رفع عن أمتك الخطأ والنسيان شيئا آخر فقال عند ذلك: ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصرا ﴾ يعني ثقلا ﴿ كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ وهو أنه حرم عليهم الطيبات بظلمهم وكانوا إذا أذنبوا بالليل [وجدوه] مكتوبا على بابهم وكانت الصلوات عليهم خمسين فخففت عن هذه الأمة وحط عنهم بعدما فرض [عليهم] إلى خمس صلوات ثم قال: ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ يقول: لا تكلفنا من العمل ما لا نطيق فتعذبنا ويقال: ما يشق ذلك علينا [لأنه لو أمر بخمسين صلاة لكانوا يطيقون ذلك ولكنه يشق عليهم ولا يطيقون الإدامة على ذلك] ﴿ واعف عنا ﴾ من ذلك كله ﴿ واغفر لنا وارحمنا ﴾ أي تجاوز عنا ويقال: واعف عنا من المسخ واغفر لنا من الخسف وارحمنا من القذف لأن الأمم الماضية بعضهم أصابهم المسخ وبعضهم [أصابهم الخسف وبعضهم] القذف ثم قال: ﴿ أنت مولنا ﴾ أي أنت ولينا وحافظنا ﴿ فانصرنا على القوم الكفرين ﴾ فاستجيب دعاؤه وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:

" نصرت بالرعب مسيرة شهر "

ويقال: إن الغزاة إذا خرجوا من بلادهم بالنية الخالصة وضربوا الطبل وقع الرعب والهيبة في قلوب الكفار مسيرة شهر علموا بخروجهم أو لم يعلموا ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رجع أوحى الله تعالى إليه هذه الآيات ليعلم أمته بذلك ولهذه الآية تفسير آخر. قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى فرض الصلاة والزكاة في هذه السورة وبين أحكام الحج وحكم الحيض والطلاق والإيلاء وأقاصيص الأنبياء وبين حكم الربا والدين ثم ذكر تعظيمه بقوله تعالى:

بحر العلوم · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ١٤٩