تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.105

قوله تعالى: ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتب ﴾ يعني يهود أهل المدينة ونصارى أهل نجران ﴿ ولا المشركين ﴾ يعني مشركي العرب ﴿ أن ينزل عليكم من خير من ربكم ﴾ يعني أن ينزل على رسولكم من الوحي وشرائع الإسلام لأنهم كانوا كفارا، فيحبون أن يكون الناس كلهم كفارا مثلهم. وهذا كما قال في آية أخرى

ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء

[النساء: 89]. فأخبر الله تعالى أن الأمر ليس على مرادهم حيث قال ﴿ والله يختص برحمته من يشآء ﴾ أي يختار للنبوة من يشاء من كان أهلا لذلك ويكرم بدينه الإسلام من يشاء ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ أي ذو المن العظيم لمن اختصه بالنبوة والإسلام. وقال مقاتل: كان قوم من الأنصار يدعون حلفاءهم ومواليهم من اليهود إلى الإسلام. فقالوا للمسلمين: [إن الذين تدعوننا] إليه هو خير مما نحن فيه وعليه وددنا لو أنكم على هذا فنزل قوله ﴿ والله يختص برحمته من يشاء ﴾ أي بدينه الإسلام من يشاء. ونظيرهما في سورة هل أتى

يدخل من يشآء فى رحمته

[الشورى: 8]، أي في دين الإسلام.

2.106

ثم قال تعالى ﴿ ما ننسخ من ءاية أو ننسها ﴾ قرأ ابن عامر (ما ننسخ) برفع النون وكسر السين وقرأ الباقون (ما ننسخ) بالنصب ومعناهما واحد. وقرأ أبو عمرو وابن كثير (أو ننسأها) بنصب النون والسين والهمزة، وقرأ الباقون (ننسها) برفع النون وكسر السين بغير همز. فمن قرأ (ننسأها) أي نؤخرها، ومنه النسيئة في البيع وهو التأخير. ومن قرأ (ننسها) أي نتركها مثل قوله تعالى:

نسوا الله فنسيهم

[التوبة: 67] أي تركهم في النار وقال ابن عباس - في رواية أبي صالح في قوله تعالى ﴿ ما ننسخ من ءاية أو ننسها ﴾ يقول ما ننسخ من آية فلا نعمل بها ﴿ أو ننسها ﴾ ندعها غير منسوخة [والنسخ رفع الشيء وإقامة غيره مقامه وفي الشرع رفع كل حكم قبل فعله أو بعده إذا كان مؤقتا ثم قال تعالى] ﴿ نأت بخير منها ﴾ يعني أهون وألين منها على الناس ﴿ أو مثلها ﴾ في المنفعة. وقال الزجاج: النسخ في اللغة، هو إبطال شيء وإقامة شيء آخر مقامه، والعرب تقول: نسخت الشمس الظل إذا أزالته. ﴿ أو ننسها ﴾ أي نتركها، معناه أي نأمركم بتركها. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: النسخ له ثلاثة مواضع ولكل منها شواهد ودلائل، فأحدها: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ﴿ ما ننسخ من ءاية ﴾ أي نبدلها ونوضحها، وما روي عن مجاهد أنه قال: نثبت خطها، ونبدل حكمها. فهذا هو المعروف عند الناس. الثاني: أن ترفع الآية المنسوخة بعد نزولها ولهذا دلائل جاءت فيه، من ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -

" أنه صلى ذات يوم صلاة الغداة، فترك آية، فلما فرغ من صلاته قال: هل فيكم أبي قالوا: نعم قال: هل تركت من آية؟ قالوا: نعم تركت آية كذا، أنسخت أم نسيت، قال: لا، ولكن نسيت "

وجاءت الآثار في نحو هذا لأن الآية قد تنسخ بعد نزولها وترفع. والنسخ الثالث: تحويله من كتاب إلى كتاب، وهو ما نسخ من أم الكتاب فأنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - (أو ننساها) أي نتركها في اللوح المحفوظ. وقال بعضهم: لا يجوز النسخ فيما يرفع كله بعد نزوله لأن الله تعالى قال

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون

[الحجر: 9] وقال

إن علينا جمعه وقرءانه

[القيامة: 17] ولكن أكثر أهل العلم قالوا: يجوز ذلك والنسخ يجوز في الأمر والنهي والوعد والوعيد ولا يجوز في القصص والأخبار لأنه لو جاز ذلك يكون كذبا، والكذب في القرآن لا يجوز. ثم قال تعالى ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ من الناسخ والمنسوخ.

بحر العلوم · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٦٢