تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5 - سورة المائدة

5.1-3

قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين ءامنوا ﴾ فهذا نداء المدح، والنداء في القرآن على سبع مراتب: نداء المدح: مثل قوله:

يأيها النبي

[ الأنفال: 64 وغيرها] ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾

يأيها الرسل

[المؤمنون: 51]. ونداء الذم مثل قوله تعالى:

يأيها الذين كفروا

[التحريم: 7]

يأيها الذين هادوا

[الجمعة: 6]. ونداء التنبيه، مثل قوله:

يأيها الإنسان

[الانفطار: 6 وغيرها]. ونداء الإضافة، مثل قوله

يا عبادي

[الزمر: 53]. ونداء النسبة: مثل قوله:

يابني ءادم

[الأعراف: 26]

يابني إسرائيل

[البقرة: 40 وغيرها]. ونداء الاسم: مثل قوله:

يإبرهيم

[هود: 76 وغيرها]

يداوود

[ص: 26]. ونداء التعبير، مثل قوله:

يا أهل الكتاب

[المائدة: 19]. فها هنا نداء المدح: ﴿ يأيها الذين ءامنوا ﴾ وهو من جوامع الكلم لأنه قال: ﴿ يأيها الذين ءامنوا ﴾ يعني صدقوا، ولم يقل بأي شيء صدقوا، معناه الذين صدقوا بوحدانية الله تعالى، وصدقوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن وصدقوا بجميع الرسل، وبالبعث والحساب والجنة والنار. وقال عبد الله بن مسعود كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه، وإن أدب الله القرآن، فإذا سمعت الله يقول: ﴿ يأيها الذين ءامنوا ﴾ فارعها سمعك، فإنه خير مأمور به، أو شر منهي عنه. ويقال: جميع ما في القرآن: ﴿ يأيها الذين ءامنوا ﴾ نزل بالمدينة وكل ما يقال في القرآن: ﴿ يا أيها الناس ﴾ نزل أكثره بمكة، وقد قيل نزل بالمدينة أيضا ويقال: كل ما في القرآن ﴿ يأيها الذين ءامنوا ﴾ ذكر في مقابله في الإنجيل: (يا أيها المساكين). ثم قال: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ يعني أتموا الفرائض التي ذكر الله تعالى في القرآن، وعقد على عباده ما أحل لهم وحرم عليهم، أن يوفوا بها. وقال مقاتل: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ يعني بالعهود التي بينكم وبين المشركين، ويقال: جميع العقود التي بينه وبين الناس، والتي بينه وبين الله تعالى، وهذا من جوامع الكلم، لأنه اجتمع فيه ثلاثة أنواع من العقود: أحدها: العقود التي عقد الله تعالى على عباده، من الأوامر والنواهي. والنوع الثاني: العقود التي يعقدها الإنسان بينه وبين الله تعالى من النذور والأيمان وغير ذلك. والنوع الثالث: العقود التي بينه وبين الناس: مثل البيوع والإجارات وغير ذلك، فوجب الوفاء بهذه العقود كلها. ثم قال: ﴿ أحلت لكم ﴾ يعني رخصت لكم ﴿ بهيمة الأنعام ﴾ والأنعام تشتمل على الإبل والبقر والغنم والوحش، دليله على قوله تعالى

ومن الأنعم حمولة وفرشا

[الأنعام: 142] ثم قال:

ثمنية أزوج

[الأنعام: 143 وغيرها]، وأما البهيمة فهي كل حي لا يتميز، وإنما قيل لها بهيمة لأنها أبهمت من أن تميز، ثم قال: ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ يعني رخصت لكم الأنعام كلها، إلا ما حرم عليكم في هذه السورة، وهي الميتة، والدم، ولحم الخنزير وغير ذلك، وذلك أنهم كانوا يحرمون السائبة، والبحيرة، فأخبر الله تعالى: أنهما حلالان ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ يعني إلا ما بين في هذه السورة.

ثم قال: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ يعني أحلت لكم هذه الأشياء من غير أن تستحلوا الصيد وأنتم محرمون. ثم قال: ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ يعني يحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، لأنه أعرف بصلاح خلقه، وما يصلحهم، وما لا يصلحهم وليس لأحد أن يدخل في حكمه، وهذا كقوله

ولا يشرك في حكمه أحدا

[الكهف: 26] وقال

لا يسأل عما يفعل وهم يسألون

[ سورة الأنبياء: 23]. قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ الشعائر ما جعل الله علامات الطاعات، وأحدها شعيرة، ومعناه لا تستحلوا شيئا من ترك المناسك كلها، مما أمر الله تعالى من أمر الحج، وهو السعي بين الصفا والمروة، والخروج إلى عرفات ورمي الجمار والطواف واستلام الحجر وغير ذلك. وذلك أن الأنصار كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة، وكان أهل مكة لا يخرجون إلى عرفات، وكان أهل اليمن يرجعون من عرفات، فأمر الله تعالى في هذه السورة بأن لا يتركوا شيئا من أمور المناسك، ثم قال: ﴿ ولا الشهر الحرام ﴾ يعني لا تستحلوا القتل في الشهر الحرام ﴿ ولا الهدي، ولا القلئد ﴾ يقول: لا تتعرضوا له ولا تستحلوا، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا خرجوا إلى مكة، وكانوا إذا قلدوا الهدي أمنوا بذلك، ومن يكن له هدي جعل في عنق راحلته قلادة، ومن لم يكن معه راحلة جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر، فيأمن بذلك فإذا رجع من مكة جعل شيئا من لحاء شجر مكة في عنق راحلته فيأمن بذلك، ليعرف أنه كان حاجا، فأمرهم الله تعالى بأن لا يستحلوا ذلك، يعني: من فعل ذلك لا يتعرض له. ثم قال تعالى: ﴿ ولا آمين ﴾ يقول: ولا تستحلوا قاصدين ﴿ البيت الحرام ﴾ نزلت في " شريح بن ضبيعة بن شرحبيل اليماني " دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلمه، فلما خرج من عنده مر بسرح لأهل المدينة، فساقها وانتهى إلى اليمامة، ثم خرج من هناك نحو مكة، ومعه تجارة عظيمة فهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يخرجوا إليه، ويغيروا على أمواله، فنزل ﴿ ولا آمين البيت الحرام ﴾ ، ﴿ يبتغون فضلا من ربهم ﴾ يعني الربح في المال، ﴿ ورضوانا ﴾ يعني يطلبون بحجهم رضوان ربهم فلا يرضى عنهم حتى يؤمنوا، ثم نسخ بقوله:

بحر العلوم · الصفحة ٢٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٢٨٥