2.92
قوله تعالى: ﴿ ولقد جآءكم موسى بالبينت ﴾ أي بالآيات والعلامات. ويقال: بالحلال والحرام والحدود والفرائض. ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده ﴾ أي عبدتم العجل ﴿ من بعده ﴾ يعني بعد انطلاق موسى إلى الجبل ﴿ وأنتم ظلمون ﴾ أي كافرون بعبادتكم العجل.
2.93
قوله تعالى ﴿ وإذ أخذنا ميثقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما ءاتينكم بقوة ﴾ أي بجد ومواظبة [في طاعة الله تعالى] ﴿ واسمعوا ﴾ أي قيل لهم اسمعوا ﴿ قالوا سمعنا وعصينا ﴾ قال في رواية الكلبي: قالوا: سمعنا قولك وعصينا أمرك ولولا مخافة الجبل ما قبلنا. ويقال: إنهم يقولون في الظاهر سمعنا، ويضمرون في أنفسهم وعصينا أمرك. ﴿ وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم ﴾ أي جعل حلاوة عبادة العجل في قلوبهم مجازاة لكفرهم. ويقال: حب عبادة العجل فحذف الحب، وأقيم العجل مقامه، ومثل هذا يجري في كلام العرب. كما قال في آية أخرى:
واسئل القرية
[يوسف: 82]، أي أهل القرية ثم قال تعالى: ﴿ قل بئسما يأمركم به إيمنكم ﴾ أي بئس الإيمان الذي يأمركم بالكفر. وقال مقاتل: معناه إن كان حب عبادة العجل في قلوبكم يعدل حب عبادة خالقكم فبئس ما يأمركم به إيمانكم ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ كما تزعمون.
2.94-96
﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ﴾ أي الجنة. وذلك أن اليهود كانوا يقولون: إن الجنة لنا خاصة من دون سائر الناس. قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم قل لهم إن كان الأمر كما يقولون إن الجنة لكم خالصة خاصة. ﴿ فتمنوا الموت ﴾ أي سلوا الله الموت ﴿ إن كنتم صدقين ﴾ أن الجنة لكم فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم:
" قولوا إن كنتم صادقين: اللهم أمتنا، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه "
يعني يموت مكانه. فأبوا أن يقولوا ذلك، فنزل قوله تعالى: ﴿ ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ﴾ [يعني بما عملوا من المعاصي. قال الزجاج: في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة رسالته - صلى الله عليه وسلم - لأنه قال لهم: فتمنوا الموت وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبدا فلم يتمنه واحد منهم]. [وفي هذه الآية دليل أن " لن " لا تدل على التأبيد لأنهم يتمنون الموت في الآخرة خلافا لقوله المعتزلة في قولهم لن تراني] ويقال: إن قوله (لن) إنما يقع على الحياة الدنيا خاصة، ولم يقع على الآخرة لأنهم يتمنون الموت في النار إذا كانوا في جهنم ولو أنهم سألوا الموت في الدنيا ولم يموتوا، وكان (في) ذلك تكذيبا لقول النبي صلى الله عليه وسلم وكان في ذلك أيضا ذهاب معجزته. فلما لم يتمنوا الموت ثبت بذلك عندهم أنه رسول الله وظهر عندهم معجزته، وظهر أن الأمر كما قال تعالى ﴿ والله عليم بالظلمين ﴾ فهو عليم بهم وبغيرهم من الظالمين وإنما الفائدة ها هنا أنه عليم بمجازاتهم.
ثم قال عز وجل ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة ﴾ يعني أن اليهود أحرص الناس على البقاء ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ يعني أحرص من الذين أشركوا. قال الكلبي: الذين أشركوا يعني المجوس. وقال مقاتل: أحرص الناس على حياة، وأحرص من الذين أشركوا يعني مشركي العرب. فإن قيل: كيف يصح تفسير الكلبي والمجوس لا يسمون مشركين؟ قيل له: المجوس مشركون في الحقيقة، لأنهم قالوا بإلهين اثنين: النور والظلمة: قوله تعالى ﴿ يود أحدهم ﴾ (يعني المجوس) يقولون لملوكهم في تحيتهم: عش عشرة آلاف سنة وكل ألف نيروز. وقال مقاتل: يود أحدهم يعني اليهود ﴿ لو يعمر ألف سنة ﴾ ثم قال ﴿ وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ﴾ يعني طول حياته لا يبعده ولا يمنعه من العذاب وإن عاش ألف سنة كما تمنى ﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ أي عالم بمجازاتهم بأعمالهم.