تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.55-56

ثم قال تعالى: ﴿ وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك ﴾ أي لن نصدقك ﴿ حتى نرى الله جهرة ﴾ أي عيانا، وذلك أن موسى عليه السلام حين انطلق إلى طور سيناء للمناجاة اختار موسى من قومه سبعين رجلا، فلما انتهوا إلى الجبل أمرهم موسى بأن يمكثوا في أسفل الجبل وصعد موسى عليه السلام فناجى ربه فأعطاه الله الألواح، فلما رجع إليهم قالوا له: إنك قد رأيت الله فأرناه حتى ننظر إليه، فقال لهم: إني لم أره، وقد سألته أن أنظر إليه، فتجلى للجبل، فدك الجبل، فلم يصدقوه. وقالوا: لن نصدقك حتى نرى الله جهرة. فأخذتهم الصاعقة فماتوا كلهم فدعا موسى ربه فأحياهم الله تعالى، فذلك قوله عز وجل: ﴿ فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون ﴾ إلى الصاعقة. ﴿ ثم بعثنكم من بعد موتكم ﴾ يقول أحييناكم من بعد هلاككم ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ للحياة بعد الموت.

2.57

﴿ وظللنا عليكم الغمام ﴾ إنما خاطبهم وأراد به آباءهم وهم قوم موسى عليه السلام، حيث أمروا بأن يدخلوا مدينة الجبارين فأبوا ذلك وقالوا لموسى:

فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قعدون

[المائدة: 24] فعاقبهم الله عز وجل فبقوا في التيه أربعين سنة، وكانت المفازة اثني عشر فرسخا، وكان يؤذيهم حر الشمس فظلل عليهم الغمام فذلك قوله تعالى: ﴿ وظللنا عليكم الغمام ﴾ وهو السحاب الأبيض، يقيكم حر الشمس في التيه، وكان لهم في التيه عمود من نور مد لهم من السماء فيسير معهم من الليل مكان القمر فأصابهم الجوع فسألوا موسى فدعا الله فأنزل عليهم المن وهو (الترنجيين) كان يتساقط عليهم كل غداة فيأخذ كل إنسان منهم ما يكفيه يومه وليلته، فإن أخذ أكثر من ذلك دود ذلك الزائد وفسد وإذا كان يوم الجمعة أخذ كل إنسان منهم مقدار ما يكفيه يومين لأنه لا يأتيهم يوم السبت، وكان ذلك مثل الشهد المعجون بالسمن فأجموا من المن، أي ملوا من أكله. فقالوا لموسى عليه السلام: قتلنا هذا المن بحلاوته وأحرق بطوننا فادع لنا ربك أن يطعمنا لحما. فدعا لهم موسى عليه السلام فبعث الله لهم طيرا كثيرا فذلك قوله تعالى: ﴿ وأنزلنا عليكم المن والسلوى ﴾ وهو السماني وهو طير يضرب إلى الحمرة. وقال بعضهم: كان طيرا يأتيهم مشويا. قال عامة المفسرين إنهم كانوا يأخذونها ويذبحونها. ﴿ كلوا من طيبت ﴾ أي قيل لهم كلوا من طيبات، وهذا من المضمرات، وفي كلام العرب يضمر الشيء إذا كان يستغنى عن إظهاره، كما قال في آية أخرى

فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمنكم

[آل عمران: 106] يعني يقال لهم أكفرتم. وكما قال في آية أخرى:

والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله

[الزمر: 3] يعني قالوا: ما نعبدهم ومثل هذا في القرآن كثير. وكذلك قوله ها هنا ﴿ كلوا من طيبت ما رزقنكم ﴾ أي من حلالات ﴿ ما رزقنكم ﴾ أي أعطيناكم من المن والسلوى ولا ترفعوا منها شيئا كما قال في آية أخرى

كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه

[طه: 81] أي ولا تعصوا فيه فلا ترفعوا إلى الغد فرفعوا وجعلوا اللحم قديدا مخافة أن ينفد فرجع ذلك عنهم ولو لم يرفعوا لدام ذلك عليهم. قوله تعالى: ﴿ وما ظلمونا ﴾ يقول وما أضرونا ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ أي أضروا بأنفسهم حيث رفعوا [إلى الغد حتى] منع ذلك عنهم. وروى خلاس عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:

" لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام، ولم (ينتن) اللحم، ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها ".

بحر العلوم · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٤٠