ورد أصل من أصول الدين لا يصح الدين بدونه.
عجز فلاسفة أوربة عن وضع دين يخضع له البشر:
وليعلم أن بعض فلاسفة أوربة وأعلام الآداب والتشريع فيها قد وضعوا أصولا
لديانة سموها الديانة الطبيعية، راعوا فيها من الفضائل والمصالح العامة والخاصة
ما استحسنه السواد الأعظم من الماديين وغيرهم؛ ولكن لم يتخذها شعب من
الشعوب، ولا جماعة من الجماعات، ولا فرد من الأفراد دينا يلتزمه في أعماله
وآدابه! ولماذا؟
لأن الدين الذي يحتاج إليه البشر لتكميل فطرتهم وإزالة الخلاف من بينهم فيما
يجب عليهم من معرفة الله وعبادته، ومن أصول التشريع العامة والفضائل الثابتة
التي تحول دون الفوضى الدينية والأدبية التي تفرق كلمتهم، هذا الدين لا يمكن أن
يتحقق إلا إذا كان مصدره السلطان الإلهي الأعلى الذي تذعن الأنفس لأمره ونهيه
القطعيين لذاته، سواء وافق آراءهم وأهواءهم ونظرياتهم العقلية وتقاليدهم القومية
والوطنية أم لا؛ لأن صاحب هذا السلطان أعلم منهم بما يضرهم وما ينفعهم، وهو
القادر على إثابتهم إذا اتقوا وأحسنوا، وعلى عقابهم إذا فسقوا وظلموا وأساءوا،
وعلى العفو عنهم إذا تابوا وأصلحوا، وعلى استجابة دعائهم إذا دعوا وتضرعوا.
فلو كانت أمور العالم كلها تجري بنظام اضطراري ليس لله فيه مشيئة ولا
اختيار، لم يكن هنالك محل لثمرة الإيمان من الخوف والرجاء، وهما الباعثان على
الطاعة والانقياد، ولزال معنى الدين وذهب التدين هباء.
إلا أن المادية مضادة بل مناقضة لمعنى الدين والتدين، وقد ظهر بعد الحرب
العامة من مفاسدها ما لم يكن ظاهرا، والعالم المدني قد شعر باضطراره إلى الهرب
من هذه المفاسد في العقل والآداب والاجتماع كما نوهنا بذلك من قبل؛ وإنما الدين
الوسط هو الجامع بين المصالح المادية والفضائل الروحية، كما بيناه في تفسير
قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ (البقرة: 143) من أول الجزء
الثاني من تفسيرنا.
وإذا لم يكن لرسل الله تعالى من آياته ما يميزهم من الفلاسفة والأدباء، كما
يزعم ملحد دمنهور، فأي باعث يبعث الناس على الانقياد لهم بالإذعان النفسي
والوجدان الاضطراري، وهم يجدون عند الحكماء من الحجج العقلية والأدبية ما هو
أقرب إلى مألوفاتهم ونظرياتهم مما جاء به الأنبياء.
حكاية ابن سينا مع المفضل له على النبي صلى الله عليه وسلم:
ألم يعقل هذا الملحد ما سمعه منا وقرأه في كلامنا غير مرة من نبأ الفيلسوف
الكبير الرئيس ابن سينا مع خادمه ومريده المعجب بعلومه وفلسفته المفضل له بها
على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يلومه على اتباعه هذا النبي
صلى الله عليه وسلم وهو دونه بزعمه وجهله، حتى إذا كانا في بعض ليالي الشتاء
الشديدة القر القارسة البرد في تبريز أيقظ الرئيس خادمه ليأتيه بماء يتوضأ به،
فاعتذر له بشدة البرد، وبعدم طلوع الفجر، فأيقظه سيده الرئيس عندما كان المؤذن
ينطق بالشهادتين على المنارة وسأله ماذا يقول المؤذن؟ قال إنه يقول: أشهد أن
محمدا رسول الله، قال: قد آن لي أن أبين لك فساد عقلك، وأفن رأيك، في
تفضيلك إياي على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إنك أنت خادمي، وقد بلغ من إعجابك بي ما تعلم، وهو ما لم أر ما يقرب
منه من غيرك، ثم إنك تكسل عن طاعتي في داخل الدار معتذرا بشدة البرد، وهذا
الرجل الفارسي يشيد بالشهادة لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة في
أعلى هذه المنارة حيث البرد على أشده، وهو في ذلك محتسب أجره عند الله،
فعندما ترى لي من السلطان على قلبك مثل ما ترى لمحمد صلى الله عليه وسلم على
قلب هذا الفارسي بعد مضي أربعة قرون على بعثته تكون معذورا فيما تهذي به من
تفضيلي.
وإذا كان من أصول الدين المادي الذي تدعو إليه باسم القرآن أنه يجوز لمتبعه
أن يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم لترجيح رأيه على طاعته، أو لما يراه