يشأ لم يكن) أولى منهم بالإيمان بقدرته على التصرف في هذه السنن متى شاء؟
ثانيا: إذا قيل: إن قوله تعالى: ﴿سنة الله﴾ (الأحزاب: 38) مفرد
مضاف يفيد العموم، وأنه يجري فيه قول علماء الأصول، بأن العبرة بعموم اللفظ
لا بخصوص السبب، قلنا: نعم، وإنما عموم كل شيء في موضوعه، وموضوع
هذه السنة المنصوصة عباد الله من الأمم مع رسلهم، ويصح إطلاق اللفظ على غير
ما ورد به النص من قواعد الاجتماع والعمران أيضا؛ ولكن لا يصح الاستدلال
بالنص على عدم التبديل فيها.
ثالثا: إن سنن الاجتماع تختلف باختلاف أحوال البشر في البداوة والحضارة
والقوة والضعف والعلم والجهل، وآلات القتال والنقل، فهي أمور نسبية متبدلة، لا
قواعد رياضية مطردة، وذلك معروف من سير الأمم وتواريخها؛ وإنما تكون سنة
بحسب الأحوال التي تكون بها مطردة.
مثال ذلك سنة غلب الكثرة للقلة التي عبر عنها الشاعر العربي بقوله:
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
يراعى في صحتها مساواة الكثرة للقلة في أسباب الغلب الصورية كالسلاح
والنظام، والمعنوية كالصبر والثبات والإيمان، فإذا كانت هذه الأسباب متوفرة في
القلة دون الكثرة، كان لها الغلب وفيها قال الله تعالى: {كم من فئة قليلة غلبت فئة
كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} (البقرة: 249) .
رابعا: إن السنن الاجتماعية والكونية تتعارض وتتنافى كما تتعارض أسباب
النصر والغلب وأضدادها في المثل المذكور آنفا، ومن ذلك تعارض أسباب الصحة
وأسباب المرض، وتعارض التأثيرات الجسدية مع التأثيرات النفسية، فمن كان له
الرجحان يكون مبطلا للآخر ذاهبا باطراده، وليس في هذا الوجود الممكن لا علويه
ولا سفليه، ناموس من نواميس النظام يقوم الدليل القطعي على استحالة تغيره
وتبدله، بل كله جائز بأسباب مما يعقله الباحثون ويتوقعون حدوثه أو بغير ذلك،
كما يقولون في خراب هذا العالم وزوال هذه الأرض، أو انقطاع حياتها وعالمها
بزوال حرارة الشمس بالتدرج البطيء، أو بتصادم بينها وبين بعض الأجرام
السماوية، وهو ما تشير إليه آيات القرآن المجيد.
السنن والنظام في الخلق خاضعان لمشيئة الخالق:
ثم أقول خامسا: إن خالق الخلق بما شاء من النظام والسنن لم يقيد بها قدرته
ومشيئته ويجعلها حاكمة عليه، بحيث يكون بها مقهورا لا قاهرا، وعاجزا عن
التصرف لا قادرا، حتى لا فائدة في دعائه والتضرع له، بل دل كتابه - الذي لا
يفهمه هذا الملحد الجاهل بلغته وبشريعته - أنه قيدها بمشيئته، وأن العالم كله في
قبضته {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد
من بعده} (فاطر: 41) فهذه الآية صريحة في أن العالم في قبضة تصرف خالقه
في كل وقت، وأن بقاءه بقدرته تعالى لا بما يظهر من سنن النظام فإنها مفعولة لا
فاعلة، أو ظواهر صورية، لا حقائق وجودية، كما قال بعضهم في سنة الجاذبية.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: {ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام * إن
يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره} (الشورى: 32-33) فحركات
الريح تجري بحسب سنته تعالى في تأثير الحرارة فيها، وهو يقول أنه إذا شاء
أسكنها.
وقد دل كتابه أيضا على أنه تعالى جعل للسنن الكونية والتشريعية استثناء
يضعه موضعه بحكمته ورحمته، حتى أن عذاب الأمم المعاندين لرسله والذي نص
كتابه على أنه لا تبديل فيه ولا تحويل قد دخله الاستثناء بالفعل، كما قال تعالى في
سورة يونس: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا
عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} (يونس: 98) فإن
يونس عليه السلام كان خرج من قومه عندما جاء موعد ما أنذرهم من العذاب ولم
يؤمنوا، فلما رأوا بوادر العذاب وكاد يقع بهم آمنوا فنفعهم إيمانهم ولم ينزل العذاب
بهم، فهذا استثناء من السنة العامة في وقوع العذاب على الأقوام في مثل تلك الحال،