تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعدون من بعده مسئولين عنه.

فأجبته أنني لست إلا واحدا منكم، بل أنا أصغركم، ولا أستغني عن

مساعدتكم ومشاورتكم، ولا أحب الخروج عما ترونه من مصلحتكم. وفي إثر ذلك

اجتمع بدعوة منه: الشيخ عبد الكريم سلمان وحسن باشا عاصم ومحمد بك راسم

وقاسم بك أمين والشيخ عبد الرحيم الدمرداش باشا، وقرروا ندب أحدهم - أحمد فتحي

باشا زغلول - ليكون نائبا عنهم في التعاون والتشاور معي في العمل، وبلغوا حمودة

بك عبده ذلك، وأنه يرضيهم أن يعطيني ما عنده من مواد هذا التاريخ؛ وإنما

اختاروه لذلك لأنه أنشطهم وأقدرهم عليه وأكثرهم مودة وزيارة لي، وطلاقة في

حرية الكلام معي، وكان هو المتصل من جماعتهم بسمو الخديو، ومحيطا بسياسته

وسياسة الإنكليز في الأمور علما، وهما الجانبان اللذان يحسب لرضاهما وسخطهما

كل حساب.

وكان كل ما قدمه لي من المساعدة نسخ مقالات الأستاذ الإمام الإصلاحية من

جريدة الوقائع المصرية الرسمية، إذ كان يقتني مجموعتها، وكان أول ما شاورته

فيه مقالات جريدة العروة الوثقى وكانت كلها منسوخة عندي، فأما ما كان منها

خاصا بالسياسة ومسألة مصر والسودان وتهييج العالم الإسلامي والهند على الدولة

الإنكليزية - فقد وافقته على تركه وعدم نشر شيء منه في منشآته؛ لأن الحرية في

مصر لا تتسع لنشره، وقد كانت العروة الوثقى ممنوعة من مصر والسودان والهند

لأجلها، وقد نشرت أهمها في هذا الجزء، وأعطاني حمودة بك بعض المواد ومن

أهمها ما كتبه الأستاذ من تاريخ الثورة العرابية.

وأما المقالات الإصلاحية العامة التي بث الحكيمان فيها الدعوة إلى جمع كلمة

المسلمين وإصلاح ذات بينهم، والتعاون على إحياء مدنيتهم بما تقتضيه وسائل هذا

العصر - فقد اتفقنا على نشر أكثرها، وترك ما تعده إنكلترة تحريضا عليها منها؛

ولكنه أشار أيضا بحذف جمل من بعض المقالات ما وافقته عليه إلا كارها، وأيقنت

أنني لا يمكنني أن أكتب هذا التاريخ تحت مراقبته والتقيد بمشاورته بالحرية التي

أريدها، وقد ساعدتني اللجنة بمبلغ من المال أعطيتها في مقابله مئات من النسخ

وزعها أعضاؤها بالمجان، وبيع بعضها بثمن بخس.

فهذا ما حملني على التعجيل بجزء التأبين والرثاء والتعازي، ثم بجزء

المنشآت، والتسويف بجزء الترجمة، ثم التطويل في فصول تربية الأستاذ الإمام

وتعليمه منه بذكر ذلك الاستطراد الطويل في الكلام على حقيقة التصوف وما يوافق

الكتاب والسنة وما يخالفهما منه.

واتفقنا على جعل ترجمة المنار للأستاذ الإمام هي الأصل لجزء الترجمة في

مواده مع بسطها والتوسع فيها، وقد قرأه هو ورتبه وأشار بالحبر الأحمر إلى حذف

بعض المسائل منها لمخالفتها لمقتضى الحال أو سياسة الوقت.

وفي أثناء ذلك استقال لورد كرومر العميد البريطاني وخلفه السر ألدون

غورست صديق سمو الخديو، وكان ذلك في أوائل سنة 1325 قبل أن تتم على

وفاة الإمام سنتان، فكبر نفوذ سموه في الحكومة وضاقت بكبره سعة الحرية علينا،

وأعيد في عهده العمل بقانون المطبوعات، فاقتنع أحمد فتحي باشا نفسه بأن كتابة

تاريخ الأستاذ الإمام كتابة حرة مفيدة صار متعذرا، فاتفقنا على الوقوف عند ما كان

قد تم منه، وهو إلى 232 صفحة، وهو المقدار الذي أطلعت عليه الشيخ عبد

الكريم سلمان إذ رأيته شاكا في بدئي بطبع الكتاب، فاعترف بأنه لا يمكن نشره.

وجملة القول: إن طبع هذا الجزء كان يسوء الخديو عباسا، وإن لم ينشر فيه

ما كان من مقاومته للإمام في إصلاح الأزهر والمحاكم الشرعية والأوقاف حتى

المساجد؛ فإن نشر هذا فيه كما يراه القارئ هنا فإنه كان يبذل كل قواه في عقاب

مؤلفه، وما كان أحمد فتحي باشا ليرضى بذلك، ولا سعد باشا أيضا، ومكانهما في

حكومة جنابه مكانهما.

وما انتهى عهد سموه إلا بسبب الحرب الكبرى التي جعلت الحكومة

الإنجليزية مصر في أثنائها خاضعة لأحكامها العسكرية وأعلنت حمايتها عليها،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١١