قوله تعالى: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ أي لولا حكم الله في أنه يحل لهم الفدية التي أخذوها من الأسارى. وقيل: معناه: لولا ما سبق لهذه الأمة من الرحمة إذا عملوا الخطايا ثم عرفوا بما عملوا وتابوا ورجعوا. قوله تعالى:
تريدون عرض الدنيا
[الأنفال: 67] مخاطبة لهم لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجلت أصحابه، فإن أبا بكر كان مراده إعزاز الدين وهداية الأنصار، ولأن الله قال: ﴿ لمسكم فيمآ أخذتم ﴾ ولم يقل فيما عزمتم وأسررتم.
8.69
قوله: ﴿ فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ﴾؛ الفاء في أول هذه الآية للجزاء، المعنى: أحلت لكم الغنائم فكلوا. والطيب: المستلذ، ويوصف الحلال بذلك على التشبيه، فإن المستلذ لا يكون فيه كراهية في الطبع، وكذا الحلال ما لا يكون فيه كراهية في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿ واتقوا الله ﴾؛ أي اخشوه ولا تفعلوا شيئا لم تؤمروا به ولم يرخص لكم، ﴿ إن الله غفور ﴾؛ لما فرط منكم ﴿ رحيم ﴾؛ بكم إذ لم يعذبكم فيما فعلتم قبل الرخصة.
8.70
قوله عز وجل: ﴿ يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم ﴾ قال ابن عباس: (وذلك
" أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وضع الفداء على كل واحد من الأسارى أربعين أوقية من ذهب، وجعل على عمه العباس مائة أوقية، قال العباس: أتجعل علي مائة أوقية وعلى عدوك سهيل بن عمرو أربعين أوقية؟ قال: " نعم؛ لقطعك الرحم ولظلمك " قال: تركتني والله أسأل قريشا ما بقيت، فكيف تترك عمك يسأل الناس بكفه؟!
فقال صلى الله عليه وسلم: " وأين الذهب الذي أعطيته أم الفضل عند مخرجك؟ فقلت: إن حدث بي حدث في وجهي هذا فهو لك ولعبدالله وقثم وللفضل " قال: وما يدريك؟! قال: " أخبرني الله بذلك " فقال: أشهد أنك صادق وإني لم أعلم أنك رسول الله قط قبل اليوم، وإني دفعت إليها الذهب ولم يطلع عليه أحد إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فأسلم وأمر ابن أخيه أن يسلم "
، فأنزل الله هذه الآية).
ومعناها: يا أيها النبي قل للعباس وعقيل وغيرهم من الأسارى: إن يعلم الله في قلوبكم رغبة في الإيمان وإخلاصا في النية، يؤتكم خيرا مما أخذ منكم من الفدية. يجوز أن يكون المعنى: يخلف عليكم في الدنيا، ويجوز أن يكون: ويجازيكم في الآخرة.
وكان العباس أحد الثلاثة عشر الذين ضمنوا طعام أهل بدر، فخرج معهم بعشرين أوقية من ذهب ليطعم بها الناس، ولم تبلغه نوبة الإطعام حتى أسر وأخذ وهي معه فأخذوها منه،
" فلما وضع النبي صلى الله عليه وسلم على العباس الفداء مائة أوقية قال: (يا محمد احتسب لي بالعشرين أوقية من فدائي). فأبى وقال: " أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا أتركه لك " ".
فلما أسلم العباس كان إذا قرأ هذه الآية قال: (صدق الله ورسوله قد أعطاني خيرا مما أخذ مني، أبدلني مكان العشرين أوقية التي أخذت مني عشرين مملوكا، كل مملوك يضرب بعشرين ألفا في التجارة، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، أنجز لي أحد الوعدين، وأنا أرجو أن ينجز لي الوعد الثاني، أنتظر المغفرة من ربي).
وعن العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه أنه بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البحرين ثمانين ألفا، فقال العباس: (أعطني من هذا المال) فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أطاق حمله، فجعل العباس يقول: (أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزها، فلا ندري ما يصنع بالأخرى). يعني ﴿ يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم ويغفر لكم ﴾.