8.53
قوله تعالى: ﴿ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾؛ أي لم يفعل الله ذلك العقاب بهم بأن الله لم يك مزيلا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم في الدين والنعم إلى أحوال لم يجز لهم أن يغيروا إليها، كما فعل أهل مكة بعد أن أطعمهم الله من جوع وآمنهم من خوف، وأرسل إليهم رسولا منهم، وأنزل إليهم كتابا بلسانهم. ثم إنهم غيروا هذه النعم ولم يشكروها ولا عرفوها من الله، فغير الله ما بهم وأهلكهم وعاقبهم ببدر، ويدخلهم النار في الآخرة.
قال الكلبي: (يعني بالآية أهل مكة، بعث إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فغيروا نعمة الله، وتغييرها كفرها وترك شكرها)، وقال السدي: (نعمة الله يعني محمدا، أنعم الله به على قريش فكذبوه وكفروا به، فنقله الله إلى الأنصار). قوله تعالى: ﴿ وأن الله سميع عليم ﴾؛ أي سميع لجميع المخلوقات المسموعات، عليم لمعاناتكم.
8.54
قوله تعالى: ﴿ كدأب آل فرعون ﴾؛ أي عادتهم في التكذيب بآيات الله كعادة آل فرعون، ﴿ والذين من قبلهم ﴾؛ من الأمم الماضية، ﴿ كذبوا بآيات ربهم ﴾؛ التي جاءت بها رسلهم، ﴿ فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنآ ﴾؛ أي وأهلكنا، ﴿ آل فرعون ﴾ بالغرق خاصة، ﴿ وكل ﴾؛ هؤلاء، ﴿ كانوا ظالمين ﴾؛ لأنفسهم، مستحقين العقوبة بسوء أعمالهم.
فإن قيل: لم كرر آل فرعون؟ قيل: المراد بالأول أن هؤلاء جازاهم الله بالقتل والأسر، كما جوزي أولئك بالغرق والهلاك، والمراد بالثاني: أن صنع هؤلاء في النعم التي أنعم الله عليهم كصنع آل فرعون فيما أعطاهم الله من الملك والعز في الدنيا، فلما غير كل فريق النعم غير الله سبحانه ما بهم.