تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8.67

قوله عز وجل: ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ أي يكون له أسرى من المشركين فيفاديهم أو يمن عليهم، ولكن السيف حتى يمكن في الأرض لا بد من القتال، فيقتل منهم قتلا ذريعا ليرتدع من وراءهم. والإثخان في كل شيء: شدته، يقال: أثخنه المرض إذا اشتد قوته عليه، وكذلك أثخنته الجراح.

قوله تعالى: ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾؛ خطاب للذين أسرعوا في أخذ الغنائم وشغلوا أنفسهم بذلك عن القتال، وذلك أنهم لما كان يوم بدر تعجل ناس من المسلمين فأصابوا من الغنائم، ومعناه: تريدون بالقتال المال، وسماه عرضا لقلة لبثه. وقوله تعالى: ﴿ والله يريد الآخرة ﴾؛ أي يريد منكم العمل بما تستحقون به ثواب الآخرة، ﴿ والله عزيز ﴾؛ أي منيع في سلطانه، ﴿ حكيم ﴾؛ في أمره وقضائه، فاعملوا ما أمركم به.

8.68

قوله تعالى: ﴿ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم ﴾؛ أي لولا حكم من الله سبق في إباحة الغنائم لمسكم فيما استبحتم قبل الإثخان عذاب عظيم. وقيل: لولا كتاب من الله سبق في أهل بدر أن يغفر الله لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر. وقيل: معناه: لولا حكم الله في اللوح المحفوظ وفي القرآن أنه لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون لأصابتكم عقوبة عظيمة.

وعن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: (وذلك أنه لما قتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين وأسروا سبعين، استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أمر الأسارى، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله هم قومك، فإن تقتلهم يدخلوا النار، ولكن فادهم فيكون الذي تأخذ منهم قوة للمسلمين، ولعل الله يقلب قلوبهم. وقال عمر: يا رسول الله ما أعلم قوما كانوا أشر لنبيهم منهم فاقتلهم.

فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم برأي أبي بكر، ثم ضرب لهما مثلا فقال:

" " مثل أبي بكر مثل إبراهيم عليه السلام حيث قال: ﴿ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ ، ومثل عمر مثل نوح عليه السلام حيث قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ﴾ " ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء على الأسارى ".

فلما كان من الغد أنزل الله هذه الآية

ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض...

[الأنفال: 67] إلى آخر الآيتين،

" قال عمر: فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر يبكيان، فقلت: ما يبكيكما؟! حتى الأرض إن وجدت بكاء لبكائكما بكت معكما، فقال صلى الله عليه وسلم: " إنما أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذ الفداء " ، ثم قرأ عليه السلام ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى ﴾ ".

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:

" لما جيء بالأسارى يوم بدر قال صلى الله عليه وسلم: " ما تقولون في هؤلاء؟ " فقال أبو بكر: قومك وأهلك استبقهم لعل الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار. وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك، قدمهم واضرب أعناقهم، ومكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، ومكني من فلان - بسبب له - فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أناس: نأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: نأخذ بقول عمر، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ ، ومثلك يا عمر مثل موسى قال: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ ، ثم قال صلى الله عليه وسلم للأسارى: " أنتم اليوم عالة فلا ينقلبن أحد إلا بفداء أو ضرب عنق " ثم قال صلى الله عليه وسلم ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ ".

التفسير الكبير · الصفحة ٧٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٧٦٢