8.35
قوله تعالى: ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية ﴾؛ يعني: إن تقرب المشركين إلى الله كان بالصفير والتصفيق، كانوا يفعلون ذلك عند البيت مكان الدعاء والتسبيح. وقيل: كانوا يأتون بأفعال الصلاة، إلا أنهم مع ذلك يصفرون فيها ويصفقون.
والمكاء: طائر أبيض يكون في الحجاز يصفر يسمى باسم بصوته، ويقال: مكا يمكو إذا صفر. وصدى تصدية إذا صفق بيده.
وقال مقاتل: (كان النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه ورجلان عن يساره، فيصفرون كما يصفر المكاء، ويصفقون بأيديهم؛ ليخلطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءته، وكانوا يفعلون كذلك بصلاة من آمن به، فقتلهم الله يوم بدر). وذلك قوله تعالى: ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾؛ ويقال: أراد بهذا أنه يقال لهم يوم القيامة: ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾. وقال أبو جعفر: (سألت أبا سلمة عن قوله تعالى: ﴿ إلا مكآء وتصدية ﴾ فجمع يديه ثم نفخ فيهما صفيرا). وقال ابن عباس: (كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، ويدخلون أصابعهم في أفواههم فيصفرون).
8.36
قوله تعالى: ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ﴾؛ نزلت هذه الآية في المطعمين منهم يوم بدر، وكانوا ثلاثة عشر رجلا وهم: أبو جهل وأخوه الحارث؛ والنضر بن الحارث؛ وأبي بن خلف؛ وزمعة بن الأسود؛ وعتبة وشيبة، كان لكل واحد منهم نوبة يوم في الإطعام.
ومعنى الآية: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصدوا الناس عن دين الله، فيستقبح هذه الإنفاق منهم، ثم يكون إنفاقهم ندامة عليهم يوم القيامة، يهزمون ويقتلون ببدر لا تنفعهم نفقتهم.
والحسرة: مأخوذة من الكشف، يقال: حسر رأسه إذا كشفه، والحاسر: كاشف الرأس، فيكون المعنى: ثم يكشف لهم عن ذلك ما يكون حسرة عليهم. قيل: كان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر. قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ﴾؛ بيان أن ذلك القتل والهزيمة لا يكفران ذنوبهم، وأنهم يحشرون في الآخرة إلى جهنم للجزاء.