تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كأنما أغشيت وجوههم

[يونس: 27]. وقرأ الحسن وأبو رجاء وعكرمة وأهل الكوفة وابن عامر ويعقوب (يغشيكم) بالتشديد لقوله تعالى:

فغشاها ما غشى

[النجم: 54].

قوله تعالى: ﴿ وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به ﴾؛ يعني المطر ليطهركم به من الجنابة والحدث، ﴿ ويذهب عنكم رجز الشيطان ﴾؛ وسوسة الشيطان التي كان وسوس إليكم بأن عدوكم قد غلب على الماء، وأنكم في مكان تسوح أقدامكم في الرمل. ويقال: أراد بالرجز الجنابة التي أصابتهم بالاحتلام، فإن الاحتلام إنما يكون من وسوسة الشيطان.

وقرأ سعيد بن المسيب (ليظهركم) بالظاء من أظهركم الله. وقرأ ابن محيصن (رجز) بضم الراء. وقرأ أبو العالية (رجس الشيطان) بالسين، والعرب تعاقب بين السين والزاي فتقول: بزق وبسق، والسراط والزراط.

قوله تعالى: ﴿ وليربط على قلوبكم ﴾؛ أي وليشد على قلوبكم بالصبر، ويشجعكم على القتال. وقيل: معناه: وليربط على قلوبكم بالصبر والمطر. قوله تعالى: ﴿ ويثبت به الأقدام ﴾؛ أي ويثبت بالمطر الأقدام حتى لا تسوح في الرمل. وقيل: معناه: ويثبت بالبصيرة وقوة القلب الأقدام؛ لأن الأقدام إنما تثبت في الحرب بقوة القلب.

8.12

قوله تعالى: ﴿ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ﴾؛ إذ يلهم ربك الملائكة النازلين من السماء ﴿ أني معكم ﴾ بالنصر للمسلمين، ﴿ فثبتوا الذين آمنوا ﴾؛ بالتنبيه والإخطار بالبال، ويقال: بشروهم بالنصر، وقيل: أروهم أنفسكم مددا لهم فإذا عاينوكم ثبتوا. والوحي: إلقاء المعنى الى النفس من وجه خفي.

وعن ابن عباس أنه قال: (سوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوفهم، وقدموا راياتهم فوضعوها مواضعها، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير له يدعو الله ويستغيث، فهبط جبريل عليه السلام في خمسمائة على ميمنتهم وميكائيل في خمسمائة على ميسرتهم، فكان الملك يأتي الرجل من المسلمين على صورة رجل ويقول له: دنوت من عسكر المشركين فسمعتهم يقولون: والله لإن حملوا علينا لا نثبت لهم أبدا.

وألقى الله في قلوب الكفرة الرعب بعد قيامهم للصف، فقال عتبة بن ربيعة: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش نقاتلهم. فقام إليهم بنو عفراء من الأنصار: عوذ ومعوذ ومعاذا أمهم عفراء وأبوهم الحارث، فمشوا إليهم فقالوا لهم: ارجعوا وأرسلوا إلينا أكفاءنا من بني هاشم، فخرج إليهم علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، قال علي: فمشيت إلى الوليد بن عتبة ومشى إلي، فضربته بالسيف أطرت يده، ثم بركت عليه فقتلته، فقام شيبة بن ربيعة إلى عبيدة بن الحارث فاختلفا بضربتين، ثم ضرب عبيدة ضربة أخرى فقطع ساق شيبة، ثم قام حمزة إلى عبيدة بن ربيعة فقال: أنا أسد الله وأسد رسوله، ثم ضربه حمزة فقتله. فقام أبو جهل في أصحابه يحرضهم ويقول: لا يهولنكم ما لقي هؤلاء، فإنهم عجلوا واستحمقوا، ثم حمل هو بنفسه، ثم حمل المسلمون كلهم على قريش فهزموهم).

قوله تعالى: ﴿ سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾؛ أي سأقذف في قلوبهم المخافة منكم. علم الله المسلمين كيف يضربونهم، فقال عز وجل: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾؛ معناه على الأعناق، وقال عطية والضحاك: (معناه فاضربوا الأعناق)، كقوله تعالى:

فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب

[محمد: 4]، وقال صلى الله عليه وسلم:

" إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله تعالى، إنما بعثت بضرب الرقاب وشد الوثاق ".

وقال بعضهم ﴿ فوق ﴾ بمعنى (على)، أي فاضربوا على الأعناق، وقال عكرمة: (معناه فاضربوا الرؤوس). وقال ابن عباس: (فاضربوا الأعناق فما فوقها) يعني الرؤوس والأعناق، نظيره قوله تعالى:

فإن كن نسآء فوق اثنتين

[النساء: 11] أي اثنتين فما فوقهما، وإنما أمر الله تعالى بضرب الرقاب والأعناق؛ لأن أعلى جلدة العنق هو المقتل. قوله تعالى: ﴿ واضربوا منهم كل بنان ﴾؛ قال عطية: (يعني كل مفصل)، وقال ابن عباس والضحاك: (يعني الأطراف).

التفسير الكبير · الصفحة ٧٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٧٣٥