37.103-105
قوله تعالى: ﴿ فلما أسلما وتله للجبين ﴾؛ أي فلما انقادا وخضعا لأمر الله تعالى ورضيا به، وقرأ ابن مسعود: (فلما سلما) أي فوضا. قوله تعالى: ﴿ وتله للجبين ﴾ أي صرعه وأضجعه وكبه على وجهه للذبح، وقيل: طرحه على الأرض على أحد جنبيه كما يفعل بالكبش حين يذبح، نادته الملائكة من الجبل بإذن الله: ﴿ وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ ﴾؛ أي وفيت الرؤيا حقها؛ أي وفيت بما أمرت به في المنام، دع ابنك وخذ الكبش الذي ينحدر إليك من الجبل المشرف على مسجد منى.
وقوله تعالى ﴿ قد صدقت الرؤيآ ﴾ أي نودي من الجبل أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا لأن الله تعالى قد عرف منهما الصدق حين قصد إبراهيم الذبح بما أمكنه وطاوع الابن بالتمكين من الذبح، ففعل كل واحد منهما ما أمكنه وإن لم يحققوا الذبح، وكان قد رأى في المنام معالجة الذبح ولم يرق الدم، ففعل في اليقظة ما رأى في المنام، فلذلك قيل له: ﴿ قد صدقت الرؤيآ ﴾ وتم الكلام. ثم قال ﴿ إنا كذلك نجزي المحسنين ﴾؛ أي هكذا نجزي كل محسن ممن سلك طريقهما في الانقياد لأمر الله، وجميل الصبر على ابتلائه.
37.106-107
قوله تعالى: ﴿ إن هذا لهو البلاء المبين ﴾؛ أي لهو الاختيار البين فيما يوجب النعمة والنقمة، وأي اختبار أعظم من أن يؤمر الشيخ الكبير بذبح الولد العزيز بيده. وقوله تعالى: ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ ، أي بكبش عظيم؛ أي أقمنا الذبح مقامه وجعلناه بدلا عنه.
وعن عطاء بن يسار قال: (لما بلغ إسماعيل سبع سنين رأى إبراهيم عليه السلام أنه يذبح، فأخذ بيده ومضى به إلى حيث أمر حتى انتهى إلى منحر البدن اليوم، فقال: يا بني إن الله أمرني بذبحك، قال إسماعيل: فأطع ربك.
ففعل إبراهيم، فجعل ينحره في حلقه، نحر في فأس لم تؤثر فيه الشفرة، فشحدها مرتين أو ثلاثا بالحجر، وفي كل لا يستطيع، فرفع رأسه فإذا هو بكبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا).
قال الحسن بن الفضل: (ما فدي إلا بتيس هبط عليه من ثبير فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه). وقيل: كان الفداء وعلا من الأوعال الجبلية.
وأما قوله ﴿ بذبح عظيم ﴾ قال سعيد بن جبير: (حق عليه أن يكون عظيما، وقد رعى في الجنة أربعين خريفا). وقال مجاهد: (سمي لأنه متقبل)، وقال الحسن ابن الفضل: (لأنه كان من عند الله تعالى)، وقال أبو بكر الوراق: (لأنه لم يكن عن نسل وإنما كان بالتكوين).