19.19
قوله تعالى: ﴿ قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ﴾؛ أي لأهب لك بأمر الله ولدا صالحا طاهرا من الذنوب. ومن قرأ: (ليهب لك غلاما زكيا) فالمعنى ليهب الله لك.
19.20
قوله تعالى: ﴿ قالت أنى يكون لي غلام ﴾؛ أي من أين يكون لي ولد، ﴿ ولم يمسسني بشر ﴾؛ ولم يقربني زوج، ﴿ ولم أك بغيا ﴾؛ أي ولم أكن فاجرة زانية، والباغية هي الطالبة للزنى. قال ابن عباس: (قالت مريم ليس لي زوج، ولست بزانية، ولا يكون الولد إلا من الزوج أو الزنى).
19.21
قوله تعالى: ﴿ قال كذلك قال ربك ﴾؛ أي قال لها جبريل، كما قلت لك قال ربك: ﴿ هو علي هين ﴾؛ أي خلقه علي هين من غير هاتين الجهتين، كخلق آدم، لا أب ولا أم. قوله تعالى: ﴿ ولنجعله آية للناس ورحمة منا ﴾؛ أي لنجعله دلالة على قدرتنا ورحمة للخلق، وقيل: ورحمة لمن اتبعه على دينه وصدقه وكان خلقه، ﴿ وكان أمرا مقضيا ﴾؛ أي محكوما به مفروغا منه، سابقا في علم الله أن يقع.
19.22
قوله تعالى: ﴿ فحملته فانتبذت به مكانا قصيا ﴾؛ وذلك أنها لما سمعت كلام جبريل اطمأنت إلى قوله، فدنا منها ونفخ في جيبها، فوصلت تلك النفخة إلى بطنها فحملت بعيسى عليه السلام. وقيل: نفخ جبريل بها من بعيد فوصلت النفخة إليها فحملت. فلما ظهر حملها انتبذت أي خرجت وانفردت، وتنحت بولادتها إلى مكان بعيد من الناس. والانتباذ: مأخوذ من نبذت الشيء إذا رميت به، وجلس نبذة أي ناحية، والقاصي والقصي خلاف الداني.
واختلفوا في مدة حملها، فقال بعضهم: تسعة أشهر كحمل سائر النساء على ما جرت به العادة، وقال: بعضهم ثمانية أشهر، وكان ذلك آية أخرى؛ لأنه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى عليه السلام، وقال بعضهم: ستة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (ما هو إلا أن حملت فوضعت، ولم يكن بين الحمل والإنباذ إلا ساعة؛ لأن الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا). وقال مقاتل: (حملته في ساعة وصور في ساعة، ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها وهي بنت عشر سنين، وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى عليه السلام). قوله تعالى: ﴿ مكانا قصيا ﴾ أي مكانا بعيدا. قال ابن عباس: (أقصى الوادي فرارا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج).