تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا

[النساء: 20] ثم قال تعالى ﴿ تلك حدود الله ﴾ أي أحكامه وفرائضه ﴿ فلا تعتدوها ﴾ أي لا تجاوزوها ﴿ ومن يتعد حدود الله ﴾ أي يتجاوز أحكام الله وفرائضه بترك ما أمر الله تعالى أو بعمل ما نهاه ﴿ فأولئك هم الظلمون ﴾ يقول: الضارون [الشاقون] بأنفسهم. ويقال: ﴿ تلك حدود الله ﴾ يعني الطلاق مرتان فلا تجاوزوهما إلى الثالثة ومن يتعد حدود الله بالتطليقة الثالثة فأولئك هم الظالمون ﴿ فإن طلقها ﴾ الثالثة ﴿ فلا تحل له من بعد ﴾ الثالثة ﴿ حتى تنكح زوجا غيره ﴾ أي تتزوج بزوج آخر ويدخل بها وإنما عرف الدخول بالسنة وهو ما روي

" عن ابن عباس أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثا (وكانت تدعى تميمة بنت وهب) فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير [(فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالت: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي فتزوجني عبد الرحمن] ولم يكن عنده إلا كهدبة الثوب فقال لها: " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة فقالت نعم قال: ليس ذلك ما لم تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك "

فذلك قوله تعالى: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ﴾ يعني إذا طلقها الثالثة. قوله تعالى: ﴿ فإن طلقها ﴾ يعني واحدة أو اثنتين ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ يعني المرأة والزوج ﴿ أن يتراجعا ﴾ ويقال: فإن طلقها الزوج الثاني بعدما دخل عليها فلا جناح عليهما يعني المرأة والزوج الأول (أن يتراجعا) يعني أن يتزوجها مرة أخرى ﴿ إن ظنا ﴾ يعني إن علما ﴿ أن يقيما حدود الله ﴾ أي فرائض الله يقول إذا علما أنه يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثاني.

قوله: ﴿ وتلك حدود الله ﴾ أي فرائض الله وأمره ونهيه وأحكامه ﴿ يبينها لقوم يعلمون ﴾ ويقال: إنما قال: ﴿ لقوم يعلمون ﴾ لأن الجاهل إذا بين له فإنه لا يحفظ ولا يتعاهد والعالم يحفظ ويتعاهد فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال. ثم وقوله: ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ﴾ أي مضى عليهن ثلاث حيض قبل أن (يغتسلن) وقبل أن (يخرجن) من العدة ﴿ فأمسكوهن بمعروف ﴾ يعني يراجعها ويمسكها بالإحسان قوله ﴿ أو سرحوهن بمعروف ﴾ (أولا) يراجعها ويتركها حتى تخرج من العدة ﴿ ولا تمسكوهن ضرارا ﴾ والضرار في ذلك أن يدعها حتى إذا حاضت ثلاث حيض وأرادت أن تغتسل راجعها ثم طلقها يريد بذلك أن يطول عليها [عدتها] فنهى الله عن ذلك فقال تعالى: ﴿ ولا تمسكوهن ضرارا ﴾ ﴿ لتعتدوا ﴾ أي لتظلموهن ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ الإضرار ﴿ فقد ظلم نفسه ﴾ يقول: أضر بنفسه بمعصيته في الإضرار. وقال الزجاج: ﴿ فقد ظلم نفسه ﴾ يعني عرض نفسه للعذاب لأن إتيان ما نهى الله عنه تعرض لعذاب الله لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير [موضعه]. ثم قال: ﴿ ولا تتخذوا آيت الله هزوا ﴾ يعني القرآن لعبا ويقال إنهم كانوا يطلقون ولا يعدون ذلك طلاقا ويجعلونه لعبا فنزل ﴿ ولا تتخذوا آيت الله هزوا ﴾. قرأ عاصم في رواية حفص: (هزوا) بغير همز وكذلك قوله:

كفوا أحد

[الصمد: 4] والباقون: بالهمز. وهما لغتان ومعناهما واحد. ثم قال تعالى: ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم ﴾ يقول احفظوا نعمة الله عليكم بالإسلام ﴿ وما أنزل عليكم من الكتب والحكمة ﴾ يقول احفظوا ما ينزل الله عليكم في القرآن من المواعظ ﴿ والحكمة ﴾ يعني الفقه في القرآن ﴿ يعظكم به ﴾ يقول: ينهاكم عن الضرار ﴿ واتقوا الله ﴾ في الضرار ﴿ واعلموا أن الله بكل شيء عليم ﴾ من أعمالكم فيجازيكم به. ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ﴾ يقول: انقضت عدتهن ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ يقول: لا تحبسوهن ولا تمنعوهن ﴿ أن ينكحن أزوجهن إذا ترضوا بينهم بالمعروف ﴾ بمهر ونكاح جديد وذلك أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي الدحداح فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها له وقال لها: وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه فنزلت هذه الآية ﴿ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزوجهن إذا ترضوا بينهم بالمعروف ﴾ ﴿ ذلك يوعظ به ﴾ أي يؤمر به ﴿ من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ أي يصدق بالله واليوم الآخر ﴿ ذلكم أزكى لكم ﴾ يعني خير لكم ويقال: أصلح لكم ﴿ وأطهر ﴾ من الريبة (أي الزنا) ﴿ والله يعلم ﴾ من حب كل واحد منهما لصاحبه ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ذلك. ويقال: ذلكم أطهر لقلوبكم من العداوة لأن المرأة تأتي الحاكم فيزوجها فتدخل في قلوبهم العداوة والبغضاء. وقال الضحاك: والله يعلم أن الخير في الوفاء والعدل وأنتم لا تعلمون ما عليكم بالتفريق من العقوبة ومن العذاب وقال مقاتل: فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معقلا وقال:

بحر العلوم · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ١٢٢